هنا نابل | بقلم المعز غَنِـي
إلى سيدة النساء في عيني زوجتي الحبيبة …إلى زوجتي التي أطعمتني في رمضان ،
اللهم كما أطعمتنا بيديها حبًا ورضًا ، فأطعمها من ثمار جنتك ، وأجعل لها نصيبًا من كل دعاء أرتفع في هذا الشهر المبارك .
من بين العادات التونسية الجميلة التي مازالت تسكن ذاكرة البيوت وتدفئ تفاصيلها، تبرز عادة “حقّ الملح” ، وهي تقليد إجتماعي راقٍ يهدف إلى تكريم المرأة والإعتراف بفضلها صباح يوم عيد الفطر المبارك .
في هذا الصباح المميز ، يعود الزوج من صلاة العيد ليجد البيت في أبهى حلّة .
بيت نظيف مرتب تفوح من زواياه رائحة البخور ، وزوجة أستقبلت العيد بزينتها وإبتسامتها ، وفي يدها طبق من الحلويات التقليدية وفنجان قهوة دافئ .
يشرب الزوج قهوته … لكن حين يعيد الفنجان ، لا يعيده فارغًا .
بل يضع داخله قطعة من الذهب أو الفضة ، أو مبلغًا ماليًا بحسب إمكانياته .
هذه الهدية الرمزية تُسمّى في تقاليدنا “حقّ الملح ” ، وهي تعبير بسيط في شكله ، عميق في معناه ، يحمل رسالة تقدير وأمتنان للزوجة التي تفانت في خدمة أسرتها طوال شهر رمضان الكريم .
فالمرأة خلال هذا الشهر الفضيل لم تكن فقط صائمة قائمة مثل بقية أفراد العائلة ، بل كانت أيضًا روح البيت ونبض المطبخ .
هي التي سهرت على إعداد الطعام ، وحرصت على أن تكون الموائد عامرة ، وأهتمت براحة الجميع ، الكبير قبل الصغير والذي يدبي على الحصير … .
وعند إنتهاء رمضان ، تأتي هذه الهدية الرمزية لتقول لها ببساطة :
شكرًا على صبرك … وشكرًا على تعبك … وشكرًا على محبتك التي ملأت البيت دفئًا .
ورغم أن هذا التقليد شعبي في ظاهره ، إلا أنه يعكس في جوهره روح الإسلام في تكريم المرأة والإعتراف بفضلها .
فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم :
“وعاشروهن بالمعروف” (سورة النساء) .
كما أوصى رسول الله ﷺ بالنساء خيرًا حين قال :
“أستوصوا بالنساء خيرًا” (متفق عليه).
أما تسمية “حقّ الملح ” فقد تعددت حولها التفسيرات.
منها أن المرأة قد تضطر أثناء إعداد الطعام إلى تذوقه للتأكد من ملوحته حتى يخرج متوازنًا يرضي العائلة ، وقيل أيضًا إن الملح يرمز إلى العشرة الطيبة والوفاء بين الناس .
فالملح في الثقافات القديمة لم يكن مجرد مكوّن للطعام ، بل رمزٌ لمعانٍ عميقة :
الطهارة ، والحفظ ، والإخلاص .
ولهذا أجتمعت هذه الدلالات في عبارة واحدة جميلة تختصر العلاقة بين الزوجين :
العشرة الطيبة .
وخلاصة القول ، إن عادة “حقّ الملح ” ليست مجرد هدية توضع في فنجان قهوة ، بل هي رسالة حب وتقدير واحترام للمرأة التي كانت ولا تزال ركيزة الأسرة ودفء البيت .
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يديم عليكم العشرة بالمسرات والأفراح ، وأن تبقى بيوتكم عامرة بالمحبة والسكينة .
فلنجعل من هذه العادة الرمضانية فرصة لتقدير المرأة وشكرها ، لا في نهاية رمضان فقط ، بل في كل أيام السنة .
كل عام وزوجاتكم وزوجتي أم أولادي بألف خير وصحة وسعادة
بقلم المعز غني عاشق الترحال وروح الاكتشاف


