[ حلب قصدنا ٠٠!! ]
بقلم / السعيد عبدالعاطي مبارك الفايد – مصر ٠
كلَّما رحّبتْ بنا الرّوضُ قُلنا: حلبٌ قصدُنا وَأَنتِ السّبيلُ ٠
” أبو الطيب المتنبي “
كل الدروب لدى الأوربيين توصل إلى روما
كل الدروب لدى العرب توصل إلى الشعر
وكل دروب الحب توصل إلى حلب
صحيح أن موعدى مع حلب تأخر ربع قرن ٠٠
” نزار قباني “
٠٠٠٠٠٠٠٠
في البداية الحديث عن حلب الشهباء – المدينة البيضاء – ذو شجون قديما و حديثا و خير من يسجل الذكريات هنا هو الشعر ٠٠!٠
بعيدا عن مأساة السياسة فمن صفحات الحب تتولد الحياة ٠
و اليوم أتذكر مأساة حلب من خلال الاشتباكات و الاقتتال اليوم الخميس ٨ يناير ٢٠٢٦ م ٠
بين أهلها و هذه كارثة بين قوات قسد و الجيش السوري و مدى معاناة المدنيين من هول الحرب ٠
حيث حلب تقع في شمال سوريا الحبيبة ٠٠
و ها أنا أتابع الأحداث في شاشات التلفاز و نشرات الأخبار و الخبر العاجل أيضا ٠
و كيف عصفت بها القذائف صدى الرصاص المدوي و نزوح أهلها ، و المشاهد الدامية في حي الإشرافية و الشيخ مقصود و الخالدية ، و في شارع الزهور ٠٠٠
حيث شُلت الحياة المدنية في حلب الشهباء و خروج المدنيون في ممرات آمنة و إنشاء مراكز إيواء و الإغاثة أمام العدد الهائل من الفارين٠
و من ثم فأرجع إلى سيف الدولة الحمداني ٠٠
و عصر دولته التي ملئت الشرق صيتا ينطق بالعظمة و القوة و التاريخ ٠
وحلب هي مدينة الشعر الساهرة و الزاهرة في عبق التاريخ ٠
فبين ربوعها عاش و تجول الكثير من عمالقة الشعراء و أرباب البيان و نتذكر يوميات الكثير ٠٠
بداية من الأمير و الفارس و العاشق و الشاعر أبي فراس الحمداني، وشاغل الناس أمير الشعر العربي أبي الطيب المتنبي الكوفي، ومن منبج شرقي حلب البحتري ٠٠
و ابن الوردي وحكمه الذائعة، نزار قباني و غيرهم كثيرون ٠٠
– و في العصر الحمداني يقول عنها أبو السداد الجزري :
أيا حلبُ الغرّاء والمنزلُ الرَّحْبُ ويا بلدًا قلبي بتَذكـاره صَبُّ
لئنْ بانَ جسمي عن معالمِ ربعِها فما بان عن أطلال ساحتها القلْبُ
علامَ أسلّي النفس عنك وفيك لي علائق منها هدَّ مهجتيَ الحُبُّ
هواؤكِ لولا صحةٌ في هُبوبـه وماؤكِ لولا أنه باردٌ عذْبُ
– و في العصر العباسي الأول يقول البحتري :
عَصبيَّتي للشام تُضرم لوعتي وتزيد في كَلفي وفي أشجاني
إن تكتئبْ حلبٌ فقد غلبت على حلب الغمام وصوبه التهتــانِ
غيث تحمّل عنهم متوجها من غربِهم لمشارق البلدان
– و في العصر الحمداني قال أبو العباس الصفري :
مَن مبلغٌ حلبَ السلامَ مُضاعفًا من مُغرَمٍ في ذاك أعظمُ حاجِهِ
أضحى مقيمًا في دمشقَ يرى بها عذبَ الشراب من الأسى كأُجاجِه
– و في العصر الحمداني قال أبو الطيب المتنبي :
لا أقَمنَا على مكان وإِن طابَ ولا يُمكن المكانَ الرّحيلُ
كلَّما رحّبتْ بنا الرّوضُ قُلنا: حلبٌ قصدُنا وَأَنتِ السّبيلُ
فيكِ مرْعَى جيادِنا وَالمطايا وإليْها وَجيفُنَا وَالذميلُ
– و في العصر الأيوبي يقول ابن سناء الملك :
ومذْ رأت صَدّه عن رَبعها حلبٌ ووصلَه لبلادٍ حُلْوة الحَلَب
بكَ العواصمُ طَابَت بعدما خَبُثَتْ بِمَالِكِيها ولولا أَنْتَ لم تَطِبِ
– و في العصر العثماني يقول نور الدين الحسيني :
إلى حلبَ الشهباءِ مني بشارةٌ تُعطِّرها حتى تَفوحَ الجَوانِبُ
لقد حدَّثتْ عنها أولو العلم مثلما جرى وانقضَتْ تلك السنونَ الجوادِبُ
لقد جادَها صوبُ الْحَيا بعد مَحْلِها وشرَّفَها من أحْكَمَتْه التَّجَارِبُ
كريمٌ إذا ما أمِّل الغيثُ أمْطَرَتْ أياديه جُودًا منه تصْفو المشارِبُ
بها الفضلُ منشور، بها الجود وافرٌ بها فتحُ مَن سُدَّتْ عليه المذاهب
***
و نختم برائعة نزار قباني و التي قرأتها في صحيفة الثورة السورية ٠٠
تحت عنوان ( كل دروب الحب توصل إلى حلب ) و مناسبة القصيدة ، في يوم 21 كانون الأول عام 1980 قام نزار قباني بزيارة مدينة حلب بلهفة وحب بدعوة من الاتحاد الوطني لطلبة سورية-فرع جامعة حلب- معتذراً عن طول الغياب، ووجد نفسه أمام الآلاف من شبان وشابات حلب الأبية، فارتجل قصيدته ، الذى تحدث فيه مجازر “حلب” ٠
يقول فيها نزار قباني :
كل الدروب لدى الأوربيين توصل إلى روما
كل الدروب لدى العرب توصل إلى الشعر
وكل دروب الحب توصل إلى حلب
صحيح أن موعدى مع حلب تأخر ربع قرن
وصحيح أن النساء الجميلات لا يغفرن لرجل
لا ذاكرة له ولا يتسامحن مع رجل لا ينظر
فى أوراقه الروزنامة..
ولا يقدم لهن فروض العشق اليومى.
كل هذا صحيح ولكن النساء الجميلات وحلب
واحدة منهن
يعرفن أيضا أن الرجل الذى يبقى صامدا فى نار العشق
خمسا وعشرين سنة ويجىء ولو بعد خمس وعشرين سنة
هو رجل يعرف كيف يحب ويعرف من يحب
ربما لم أضع حلب على خريطتى الشعرية
وهذه إحدى أكبر خطاياى ولكن حلب كانت دائما
على خريطة عواطفى وكانت تختبئ فى شراييني
كما يختبئ الكحل فى العين السوداء
وكما يختبئ السكر فى حبة العنب
واليوم تتفجر الحلاوة كلها على فمى
فلا أعرف من أين يبدأ الشعر ومن أين
يبدأ النبيذ ومن أين تبتدأ الشفة
ومن أين تبتدأ القبلة
ومن أين تبتدأ دموعى
ومن أين تبتدأ حلب
لا أريد أن أتغزل بحلب كثيرا
حتى لا تطمع
ولا أريد أن أتكلم عن الحب
بقدر ما أريد أن أحب
كلماتنا فى الحب تقتل حبنا
إن حروفنا تموت حين تقال
كل ما أريد أن أقوله أن حب النساء
وحب المدن قضاء وقدر
وهاأنذا فى حلب
لأواجه قدرا من أجمل أقدارى ٠
و في نهاية المطاف بعد الجولة الشعرية بين ظلال الياسمين و المدينة البيضاء/ حلب الشهباء نتذكر التاريخ بنفس الأحداث ٠٠
و هذه كانت وفقة تضامنا مع حلب الشهباء في محنتها من خلال منطق الشعر رسالة حب و سلام إلى الإنسانية دائما ٠
حفظ الله سوريا الحبيبة و الوطن العربي الكبير ٠

