حين ترحل العجائز… ترحل القيم
بقلمي الكاتبة / زينب مدكور عبد العزيز
اليوم… شعرت بأن شيئًا كبيرًا اختفى من عالمي. رحلت زوجة عم والدي، امرأة كبيرة في السن… ورحلت معها قطعة من دفء الحياة، قطعة من الحنان اللي كنا نأخذه كأمر مسلم به. جلست أفكر، كل مرة يرحل أحد من كبارنا… كأن جزء من أخلاقنا وقيمنا يذهب معه.
العجائز… هم الجذور. هم التاريخ الحي. هم الحصن اللي كنا نحتمي به من قسوة الحياة. وعندما يرحلوا، يتركوا خلفهم فراغًا لا يملأه شيء. فراغ يذكرك بأن الحب الحقيقي… الحنان الحقيقي… الأمان الحقيقي، موجود فقط فيهم.
تجلس معهم ساعة واحدة… تحس بالراحة. تتحدث معهم دقيقة… تتعلم درسًا لا يُنسى. كل كلمة منهم… كل نصيحة… كل ذكرى، هي إرث لا يقدر بثمن. ننسى هذا في صغرنا. نغفل عنهم… ونركض وراء الدنيا… حتى ندرك فجأة أن العالم أصبح أوسع… وأبرد… وأقسى بدونهم.
ـ فقدان القيم والأخلاق
كم مرة جلسنا بجانبهم… وسمعنا عن الماضي… عن الشجاعة… عن الكرم… عن الصدق؟ تعلمنا أن الوفاء لا يقدر بالمال، وأن الاحترام لا يُشترى، وأن الحب الحقيقي… لا ينتهي بالزمن.
وكم مرة تجاهلناهم؟ كأننا نجهل أن الأخلاق… والحكمة… والطيبة… كانت تُزرع في قلوبنا بهم. وأن رحيلهم ليس مجرد موت جسد… بل موت لمسة، موت درس، موت شعور بالأمان والدفء.
ـ دفء العجائز
وجود العجائز حولنا… هو أمان. وجودهم حولنا… هو ضوء في الظلام. كل مرة أراهم يبتسمون… أشعر بأن الدنيا بخير. كل مرة أسمع نصيحتهم… أشعر بأن الطريق واضح. كل مرة أستمع لهم… أتذكر كم كنا محظوظين بوجودهم.
ولكننا ننسى… ننسى أن الوقت محدود… وأن الحياة لا تنتظرنا لنستفيق. رحيلهم سريع… وتركهم لنا إرث… إرث من القيم… من الحب… من الذكريات… التي يجب أن نحميها… ونعلمها للأجيال القادمة.
ـ التعلم قبل فوات الأوان
العجائز ليسوا مجرد أجيال قديمة… هم سجل حياتنا، هم بوصلة الإنسانية. عليهم أن نتعلم قبل أن يرحلوا. قبل أن يغلق التاريخ أبوابه علينا، يجب أن نكتب نحن أيضًا… على صفحات قلوبنا… دروسهم، أخلاقهم، محبتهم.
كل لحظة معهم… فرصة. كل كلمة… ذهب. كل حكمة… حياة. لا تتركها تمر من دون أن تتعلم. لا تترك الفرصة تفوتك… لأن من يرحل من كبارك… لا يعود.
ـ أهمية الاستمرار في نشر القيم
حين يرحلوا… يبقى الفراغ… الفراغ كبير… الفراغ مؤلم. ولكن بإمكاننا أن نملأه بالذكريات… وبالتعلم… وبنقل ما تعلمناه للأجيال القادمة. يجب أن نستمر في نشر القيم ، في تعليم الصدق ، في تقدير الآخرين ، في الحب ، في الكرم ، في الصبر ، كل شيء علمونا إياه .
هذا هو الطريق الوحيد ليظل أثرهم حيًا فينا ، وفي من بعدنا .
ـ العجائز دفء وطمأنينة
لننظر للحظة إلى لحظاتنا معهم ، كم من مرة جلسنا بجانبهم ، واحتضنونا بكلمة طيبة ؟ كم من مرة شعرنا بأن المكان آمن بمجرد وجودهم ؟ كم من مرة فرغنا قلبنا لهم ووجدنا السماع ، الفهم ، والدفء؟
العجائز هم الأمان ، هم الاطمئنان ، هم الحنان .
رحيلهم ، يجعلنا ندرك قيمة كل لحظة ، قيمة كل ضحكة ، قيمة كل نصيحة .
ـ رسالة لكل من يقرأ
إذا كنت تظن أن وجود العجائز في حياتك أمر بسيط… فكر مرة أخرى. كل يوم معهم… هو فرصة. كل ساعة… هي هدية. كل نصيحة… هي درس لا يقدر بثمن. احرص على التعلّم منهم… احرص على الاستماع لهم… احرص على نقل ما علموك… لتبقى حياتك غنية… وقلوب من حولك دافئة.
وفي النهاية حين ترحل العجائز ،
لا يرحلوا وحدهم . يرحل معهم جزء من الحب ، جزء من الأخلاق ، جزء من التاريخ الحي . ولكن بوسعنا أن نحمي إرثهم ، بوسعنا أن نستمر ، بوسعنا أن نكبر في القيم ، في المحبة ، في الإنسانية .
لا تترك الفرصة تفوتك . احضن كبارك ،
تعلم منهم ، وشارك ما تعلمته.
لأن العالم
بدونهم بارد .
بدونهم فارغ .
بدونهم جزء من روحنا يختفي .
لكن بذكرياتنا ، بأفعالنا ، بحبنا ، بإيماننا بالقيم ، نستطيع أن نحفظهم ، أن نحفظ ما تركوه ،
وأن نضمن أن يستمر أثرهم فينا ، وفي من بعدنا .
حين ترحل العجائز… ترحل القيم


