الرئيسيةمقالاتحين تصبح الوحدة أعدل من الضجيج
مقالات

حين تصبح الوحدة أعدل من الضجيج

حين تصبح الوحدة أعدل من الضجيج

محمود سعيد برغش 

 

في عالمٍ يزداد فيه الكلام ويقل فيه الصدق، صارت الأرواح تئنّ من الزحام، لا لأنها وحيدة… بل لأنها محاطة بما لا يُشبهها. لم تعد الوحدة هروبًا، بل أصبحت محاولة أخيرة للنجاة من ضجيجٍ يرهق النفس، ويُربك العقل، ويكسر القلب في صمت.

 

ليست كل وحدة ضعفًا، وليست كل صحبة أُلفة. فكم من وحيد أنقذ صمته قلبه، وكم من مزدحم خانته الجموع.

 

القرآن لم يذمّ الوحدة لذاتها، بل ذمّ القطيعة والكبر، وحذّر من صحبة السوء والضلال.

 

 ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (الكهف: 28)

 

 ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67)

 

العبرة ليست بالكثرة، بل بالصدق، ولا بالضجيج، بل بالتقوى.

 

وضع النبي ﷺ ميزانًا عادلًا: «المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المؤمن الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (رواه الترمذي)

 

لكن حين يتحول الناس إلى فتنة، قال ﷺ:«يوشك أن يكون خيرُ مال المسلم غنمٌ يتبع بها شعف الجبال، يفرّ بدينه من الفتن» (رواه البخاري)

 

فالعزلة هنا عبادة، لا هروبًا، وحماية للدين لا قطيعة للرحم.

 

الصحابة كانوا أكثر الناس فهمًا لقيمة الصمت والعزلة:

 

علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «العزلة عبادة، وجليس السوء داء».

 

عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه قل حياؤه».

 

أبو الدرداء رضي الله عنه: «نعم صومعة الرجل بيته، يكفّ بها لسانه وبصره».

 

لم تكن عزلتهم تكبرًا، بل وعيًا بثمن القرب من الزيف.

 

سفيان الثوري: «ما أفسد للقلب مثل كثرة المخالطة».

 

الإمام الشافعي: «إذا لم تجد صديقًا صادقًا، فالعزلة سلامة».

 

الإمام الغزالي: فرق بين: عزلة تُزكّي النفس (محمودة) وعزلة تُفسدها باليأس (مذمومة)

 

لكن الشرع لا يرضى إلا بما يُصلح القلب ويحفظ المجتمع

 

يرى الطب النفسي أن الوحدة ليست حالة واحدة، بل نوعان:

 

اختيار واعٍ للابتعاد عن العلاقات السامة .مساحة للهدوء وإعادة التوازن النفسي وسيلة لحماية الذات من الضغط والتزييف الاجتماعي

 

 علماء النفس يؤكدون أن الاحتكاك المستمر بعلاقات قائمة على النفاق أو التقليل من الشأن قد يؤدي إلى القلق والاكتئاب واضطرابات التكيّف النفسي.

 

 وحدة مرضية (مذمومة) انسحاب كامل من المجتمع

 

شعور دائم بالرفض والفراغ فقدان الرغبة في التواصل أو الحياة وهذه الحالة قد تؤدي إلى: الاكتئاب الحاد اضطرابات القلق

 

ضعف تقدير الذات التفكير السلبي المستمر

 

  الوحدة الصحية تُعيدك إلى نفسك، والوحدة المرضية تُبعدك عنها.

 

العجيب أن ما يثبته الطب النفسي اليوم، كان الإسلام قد أشار إليه منذ قرون:

 

لا عزلة تُفسد النفس ولا مخالطة تُهين الكرامة 

 

حفظ النفس مقصد شرعي وسلامة العقل أصل من أصول الشريعة

 

قال ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»

 

القانون يكفل للإنسان: حق السلامة النفسية رفض الإيذاء المعنوي والتنمّر والتشهير عدم إلزام الفرد بعلاقات قهرية مؤذية

 

فليس كل انسحاب ضعفًا، بل قد يكون حقًا مشروعًا.

 

ليست الوحدة دائمًا وجعًا، وأحيانًا يكون الضجيج هو المرض.

 

إن وجدت صحبةً تُعينك على الخير… فتمسّك بها.

وإن لم تجد… فلا تُحمّل قلبك ما لا يحتمل.

 

 ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾

 

فالهروب إلى الصدق نجاة، والسكينة عبادة، وحفظ النفس… فريضة.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *