حين يغضب النبلاء
بقلم : عماد نويجى
في مساء رمادي لا يُحسم فيه الضوء ولا يستقر الظل جلست أمامه أراقب وجهه الذي اشتعل غضبا لم يكن غضبا عابرا كان من النوع الذي يفتح أبواب النفس دفعة واحدة ويكشف ما خبأته الأيام تحت طبقات المجاملة
كنت أعلم أنني أخطأت كلمة قاسية خرجت مني في لحظة ضيق فسقطت عليه كحجر في ماء ساكن رأيت الارتعاشة تمر في عينيه ثم رأيت الغضب يكبر… يكبر حتى ظننت أنه سيكسر كل ما بيننا
صمت طويل تمدد بيننا كجسر مكسور
كنت مستعدا لكل شيء
أن يرد الإهانة بمثلها
أن يطعنني بكلمة يعرف موضعها جيدا
فالغضب كما تعلمت لحظة صدق خطرة
رفع رأسه أخيرا نظر إلي نظرة حادة وقال بصوت مشدود
أنا زعلان منك… جدا
ثم سكت
انتظرت الضربة
لكنها لم تأت
مرت ثوان ثقيلة قبل أن يضيف
بس أنا مش هأذيك
لا أعرف لماذا شعرت وقتها أن الغرفة اتسعت فجأة وأن الهواء صار أخف لم يكن الموقف بطوليا بالمعنى الصاخب… لم يصرخ لم يعظ لم يتصنع السمو فقط غضب… وتوقف عند الحد الذي لا يُكسر بعده الإنسان
في تلك اللحظة فهمت شيئا ظل غامضا في ذهنى سنوات
ليس النبل أن لا تغضب بل أن تعرف أين تقف وأنت غاضب
كثيرون يبتسمون في الرضا لكن الغضب وحده يعري الطينة الحقيقية هناك من يتحول عند الغضب إلى قاضٍ وجلّاد معا وهناك من رغم اشتعال صدره يمسك بزمام نفسه كمن يمسك حصانا جامحا عند حافة الهاوية
اقتربت منه ببطء وقلت:كنت فاكر إنك هتردها لي
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة
وقال:سهل أوجعك… بس ساعتها أبقى خسرت نفسي قبلك
في تلك الليلة حين افترقنا لم أعد أحسبه صديقا عاديا
اخترته … اخترته لأن الغضب مر بقلبه… ولم يترك فيه شرا
ومن يومها كلما رأيت إنسانا غاضبا لم أعد أخاف من النار في عينيه… بل أنظر جيدا إلى يديه
هل تمتد بالأذى؟
أم ترتجف… ثم تتراجع؟
هناك فقط تُعرَف طينة البشر.
حين يغضب النبلاء


