الرئيسيةمقالاتحين ينهض الظلام من داخلك لا من حولك
مقالات

حين ينهض الظلام من داخلك لا من حولك

حين ينهض الظلام من داخلك لا من حولك

حين ينهض الظلام من داخلك لا من حولك

بقلم/نشأت البسيوني 

 

في لحظات كثيرة من العمر يظن الإنسان أن الظلام الذي يسلبه الطمأنينة يأتي من الخارج من ضجيج العالم أو خيبات الآخرين أو الطرق التي لم تفتح أو الأبواب التي أُغلقت في وجهه لكنه مع الوقت يكتشف أن أشد أنواع الظلام قسوة ذلك الذي يولد في أعماقه في زاوية خفية لا يراها أحد ولا يلتفت إليها هو نفسه إلا بعد أن تتكاثر وتتضخم حتى تصبح جبلاً ثقيلاً يستقر فوق صدره

ذلك الظلام الداخلي لا يصنعه حدث واحد ولا كلمة واحدة بل يبنيه تراكم الأيام المثقلة بالتجاهل والخذلان والانتظار الطويل لشيء لا يأتي يتشكل من سنوات حاول فيها الإنسان أن يكون أقوى مما يستطيع وأن يسير وهو يجر خلفه ما لا يحتمل وأن يبتسم بينما تتكسر روحه بصمت لا يسمعه أحد ومع كل لحظة صبر إضافية يزداد ذلك الظل عمقًا كأنه يمتد جذورا في الروح لا في الأر

وحين ينهض هذا الظلام لا يأتي صاخبا ولا يطرق باب القلب بقوة بل يصل مثل نفس بارد يتسلل إلى الداخل دون استئذان فيسحب من الروح ألوانها واحدة تلو الأخرى ويحول العالم من حول الإنسان إلى لوحة باهتة لا طعم لها ولا دفء ولا معنى يصبح النهار ثقيلاً والليل أطول بكثير مما يحتمل وينقلب الصمت من راحة إلى عبء ومن عزلة إلى هاوية لكن ما لا يدركه الكثيرون هو أن هذا الظلام 

رغم قسوته يحمل جزءا من الحقيقة التي نحاول الهرب منها يحمل درسا لا يتعلمه الإنسان في وضوح الشمس بل في عتمة اللحظات التي يجبر فيها على مواجهة نفسه دون أقنعة إنه يضعه أمام نقاط ضعفه وأماكن تشققه وأبواب الألم التي أخفاها تحت ضجيج الأيام ومن لا يرى ظلامه بوضوح لا يعرف كيف يصنع لنفسه نورا حقيقيا

فالضوء الذي يولد من الداخل لا يأتي من نصيحة عابرة أو كلمة 

لطيفة ولا من يد تربت على الكتف ثم تمضي بل يأتي حين يقرر الإنسان أن يتوقف عن الهروب أن ينظر إلى خوفه وقلقه وكسوره نظرة لا تهتز ولا ترتجف أن يفهم ما الذي أطفأه وما الذي كان يجب أن يحميه وما الذي ينبغي عليه أن يتركه خلفه دون ندم وحين يبدأ الإنسان بفهم نفسه على هذا العمق تبدأ الخيوط الخفية للنور في التكاثر داخل قلبه يبدأ يلتقط شظايا روحه المتناثرة ويعيد جمعها 

قطعة بعد أخرى يبدأ يستعيد صوته الداخلي الذي فقده في زحام العالم ويجعل من صمته منصة للتجلي لا للحزن ومن وحدته مساحة للترميم لا للسقوط يدرك أن الظلام الذي نهض في داخله لم يكن لعنة ولا نهاية بل كان بابا لم يكن ليفتح إلا في اللحظة المناسبة بابا علمه كيف يقف وحده دون أن ينكسر وكيف يحمل نفسه حين لا يجد من يحمله وكيف يصنع ضوءه الخاص الذي لا تستطيع الدنيا كلها أن تطفئه مهما تغيرت أو قست

حين ينهض الظلام من داخلك لا من حولك

حين ينهض الظلام من داخلك لا من حولك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *