الرئيسيةمقالاتحين يُسلَّم القطيع للذئاب تبدأ الحكاية التي لا تنتهي إلا بالفقد
مقالات

حين يُسلَّم القطيع للذئاب تبدأ الحكاية التي لا تنتهي إلا بالفقد

قصة حقيقية : المشهد الأول 

بقلم : عماد نويجي 

 

  كان في أطراف الأرض رجل نشأ على القحط وتربى على الصبر عاش عمره يطارد لقمة العيش بين صخور الأيام القاسية ولم يكن يملك سوى قطيع صغير من الغنم يرعاه بيديه ويعده زاده الوحيد في مواجهة الحياة كان يعرف كل شاة باسمها ويأنس بها كما يأنس المرء بأهله وكانت تلك الغنمات القليلة عالمه كله وملاذه من قسوة الفقر

مرت السنوات ثقيلة ثم تبدل الحال على نحو لم يخطر له ببال تكاثرت غنماته حتى ضاقت بها المراعي واتسعت الأرض من حوله وصار اسمه يتردد في المجالس بعد أن كان مجهولًا وأصبح مثالًا للغنى بعد أن كان عنوانًا للفقر فانتقل من ضيق العيش إلى سعته ومن الحاجة إلى الاكتفاء ومن الصبر إلى الترف

غير أن الثراء الذي جاءه فجأة لم يمنحه الحكمة بل سلبه توازنه فبدأ يتغير شيئًا فشيئًا نسي أيامه القديمة ونسي من كانوا يقفون إلى جواره حين كان لا يملك شيئًا نسي إخوته وعشيرته الذين شاركوه القليل يوم لم يكن لديه إلا القليل فاستبدل دفء القربى ببريق المال وأدار ظهره لمن كانوا يومًا سنده

غرق في حياة مترفة يبدد فيها ماله دون حساب وكأنما يريد أن يمحو آثار الفقر من ذاكرته لم يعد يرى في الغنمات سوى أرقام تتزايد ولم يعد يسمع صوت النصيحة من قريب أو صديق فقد غلب عليه شعور زائف بالقوة وأصبح يظن أن ما وصل إليه حق دائم لا يزول

وفي خضم هذا الازدهار بدأ الخلل يتسلل في صمت اختفت بعض الغنمات ثم تبعتها أخرى حتى صار النقص ملحوظًا حاول في البداية أن يتجاهل الأمر لكنه لم يستطع أن يغض الطرف طويلًا فالقلب الذي تعود على العد يعرف متى ينقص العدد

اجتمع به بعض العقلاء من أهله وأشاروا عليه أن يشدد الحراسة وأن يعهد بالأمر إلى إخوته وعشيرته فهم أصدق الناس نصحًا وأشدهم حرصًا عليه لكنه رفض وقد استبد به الغرور واعتبر أن العودة إليهم انتقاص من مكانته التي بناها حديثًا فآثر أن يبحث عن حل بعيد عنهم

وفي لحظة من لحظات الغفلة ساقه القدر إلى رجل غريب ملامحه هادئة وكلماته منمقة يخفي خلف ابتسامته دهاء لا يدركه إلا من خبر أمثاله كان ذلك الرجل رئيس عصابة تمرس في الخداع وعرف كيف يدخل القلوب من أبواب الطمأنينة

عرض عليه أن يتولى حماية القطيع مقابل شيء يسير طعام يكفي رجاله فقط لا مال ولا شروط معقدة كلمات بسيطة لكنها كانت كفيلة بإسقاط آخر حصون الحذر في نفس صاحب الغنمات فوافق دون تردد وسلمه ما يملك وهو يظن أنه وجد الحل …. يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *