بقلم : عماد نويجي
منذ اليوم الأول بدأ الذبح كل صباح كان الرجل يذبح من غنماته ليطعم الحراس ولم ير في ذلك بأسا فالأمر في ظاهره حماية وفي حقيقته استنزاف بطيء لم ينتبه له إلا بعد أن صار النزيف واضحا والقطيع يتناقص أمام عينيه
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل بدأ رئيس العصابة يزرع في ذهنه فكرة الاستثمار والوعد بالمزيد من الثراء فاستجاب الرجل طمعا في الزيادة فدفع أكثر مما ينبغي وصدق ما لا يصدق حتى صار أسيرا لتلك الأوهام التي صنعت له قيدا من ذهب
ومع مرور الأيام بدأ يدرك أنه يسير نحو الهاوية حاول أن يستجمع شجاعته لينهي هذا الاتفاق الذي أثقل كاهله وأضعف قوته لكنه تأخر كثيرا فقد كان خصمه أذكى مما توقع
شعر رئيس العصابة بتغير نواياه فقرر أن يسبقه بخطوة تحكم قبضته عليه فافتعل نزاعا مع أحد الجيران وصنع من لا شيء أزمة كبيرة ثم لجأ إلى مزرعة الرجل طالبا الحماية ومظهرا الضعف وهو في حقيقته ينسج فخا جديدا
لم يتأخر رد الجار فقد جمع رجاله وعشيرته واقتحموا الأرض في مشهد من الفوضى العارمة داسوا المزارع وأفسدوا ما فيها وتفرقت الغنمات في كل اتجاه وتحولت الأرض التي كانت رمزا للغنى إلى ساحة خراب
في تلك اللحظة انهار الرجل من الداخل نسي كل ما كان يفكر فيه من إنهاء الاتفاق وصدق أن الحراس هم درعه الوحيد فتمسك بهم أكثر ومنحهم سلطة أكبر حتى صاروا هم أصحاب القرار وتحولت حياته إلى ظل لحياتهم
مر الوقت وهو يزداد ضعفا يوما بعد يوم لم يعد قادرا على المواجهة ولا على استعادة ما فقده تلاشت غنماته وتبددت ثروته وتحولت أرضه إلى ميدان صراع لا يملك فيه شيئا سوى الندم
وحين حاول أن ينظر خلفه لم يجد أحدا فقد أبعد أهله بيده وخسر عشيرته بقراره فبقي وحيدا بين من استنزفوه ومن عادوه فلا هؤلاء حفظوا له ماله ولا أولئك عادوا ليكونوا سنده
وهكذا انتهت الحكاية كما تبدأ دائما حين يخطئ الإنسان تقدير القوة فيظنها في البعيد وينسى أنها في القريب ويستأمن من لا يؤتمن ويعرض عن من يستحق فيدفع الثمن غاليا من ماله وأمنه وكرامته
فليست الخسارة في ضياع القطيع وحده بل في ضياع البصيرة حين يغيب العقل ويعلو الغرور وحين يتحول الأمان إلى وهم والحماية إلى قيد لا ينكسر

