خبز سياح.. ذاكرة سومرية تستعاد على موائد العراق






كتبت: ساهرة رشيد/ العراق
هل يمكن لطبق بسيط من الأرز (التمن العنبر) أن يختصر حكاية حضارة كاملة؟ في العراق، يبدو الجواب حاضرا في (خبز سياح)، الأكلة التي لم تغب عن الذاكرة رغم مرور آلاف السنين.
في هذا السياق التقينا مديرة مركز حماية وصون التراث، السيدة شيماء سهيل،
وقالت إن من أبرز اهتمامات المركز توثيق تاريخ العراق بمختلف تفاصيله، بما في ذلك الموروث الغذائي، بوصفه جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية. وأضافت أن الأكلات الشعبية مثل “خبز سياح” تمثل شاهدا حيا على استمرارية العادات والتقاليد، وارتباط الإنسان العراقي ببيئته عبر العصور.
من جانبه، أكد الباحث الاكاديمي الدكتور أسعد مطر خليل أن دراسة هذه الأكلات لا تقتصر على جانبها الغذائي، بل تتعداه إلى فهم التحولات الاجتماعية والبيئية التي مرت بها بلاد الرافدين، مشيرا إلى أن (خبز سياح) يعكس قدرة الإنسان السومري على التكيف مع التغيرات، وتحويل التحديات إلى حلول مبتكرة استمرت لآلاف السنين.
وتقود هذه القراءة إلى بدايات الحكاية، حين واجه السومريون أزمة ملوحة الأراضي الزراعية، ما دفعهم للبحث عن محاصيل بديلة. وهنا برز دور التجار الذين جلبوا نبات “الشلب” (الأرز) من شرق آسيا، لكونه يتلاءم مع البيئة المائية في جنوب العراق.
ومع أولى محاصيل الأرز، تعامل السومريون معه وفق عاداتهم الغذائية القائمة على الخبز، فقاموا بسحقه وطحنه وتحويله إلى عجينة تخبز على سطحٍ ساخن، لتظهر بذلك أكلة (الطابگ) أو (خبز سياح)، التي استمرت حتى يومنا هذا.
وفي الحاضر، لا تزال هذه الأكلة تحضر في مناطق الوسط والجنوب، خاصة في البيئات القريبة من الأهوار، وتشرح وتوضح الحاجة ام حيدر كيفية تحضيره
حيث ينقع الأرز ويطحن، ثم يسكب على (الطابگ)
ليخبز ويقدم بطعمه البسيط مع السمك المسگوف الذي يحمل عمق التاريخ.
ويبرز حضور “خبز سياح” بشكل لافت في المناسبات الدينية، إذ يُحضر بكميات كبيرة ويوزع على الناس، في مشهد يعكس روح المشاركة والتكافل، ويعيد إحياء طقوسٍ اجتماعية تمتد جذورها إلى عمق الحضارة.
وهكذا، لا يكون (خبز سياح) مجرد أكلة، بل قصة أرضٍ وتاريخ، تبدأ من تجارة عابرة للحدود، ولا تنتهي عند مائدة عراقية ما زالت تحفظ طعم الماضي.

