دراما الملايين… خارج الذوق العام
بقلم: وليد وجدي
مع انطلاق السباق الرمضاني لعام 2026، تعود الدراما المصرية إلى واجهة المشهد بقوة، حيث تتنافس عشرات الأعمال على جذب المشاهدين وتحقيق أعلى نسب مشاهدة، في ظل ميزانيات ضخمة وحشود من النجوم. لكن وسط هذا الزخم، يبرز تساؤل مهم: هل تحافظ الدراما على رسالتها الفنية والاجتماعية، أم أصبحت أسيرة منطق السوق والمكسب السريع؟
لا يخفى على أحد أن بعض الأعمال الدرامية هذا الموسم يغلب عليها طابع العنف، والبلطجة، وتجارة المخدرات، والصراعات القائمة على أخذ الحق بالقوة بعيدًا عن القانون. مشاهد السلاح الأبيض والناري، وألفاظ الشارع، وصور الفوضى، باتت عنصرًا أساسيًا في العديد من المسلسلات، وكأنها أصبحت الوصفة الجاهزة لجذب الجمهور وتحقيق “الترند”.
ورغم أن الدراما مرآة المجتمع، وتعكس بعض جوانبه السلبية والإيجابية، إلا أن المشكلة تكمن في طريقة الطرح. فحين يتحول البلطجي إلى بطل شعبي، ويُقدم الخارج عن القانون في صورة المنتصر دائمًا، فإن الرسالة تصبح مشوشة، خاصة في شهر كريم له قدسيته ومكانته في وجدان المصريين.
التأثير الأكبر لا يقع فقط على الكبار، بل يمتد إلى أبنائنا من الشباب والمراهقين، الذين يتأثرون بما يشاهدونه، ويعيدون أحيانًا إنتاجه في الشارع والمدرسة ومحيطهم الاجتماعي. فالكلمة التي تُقال على الشاشة تُردد في الواقع، والمشهد الذي يُعرض في مسلسل قد يتحول إلى سلوك يُقلَّد دون وعي.
ولا يمكن إنكار أن نسب المشاهدة المرتفعة التي تحققها هذه الأعمال تعكس إقبالًا جماهيريًا، لكن السؤال: هل كل ما يُشاهد هو بالضرورة ما يستحق أن يُقدَّم؟ وهل معيار النجاح أصبح عدد الإعلانات والمشاهدات فقط، دون النظر إلى البعد التربوي والثقافي؟
لقد عرفت الدراما المصرية في مراحل سابقة أعمالًا صنعت وعيًا، ورسخت قيمًا إيجابية، وناقشت قضايا المجتمع بعمق ومسؤولية، دون اللجوء إلى الإثارة المفرطة أو المشاهد الصادمة. كانت هناك مسلسلات قدمت نماذج ناجحة للشاب المكافح، والموظف الشريف، ورجل القانون الذي ينتصر بالعدل لا بالقوة.
اليوم، نحن في حاجة إلى توازن. لسنا ضد عرض الواقع كما هو، ولا ضد تناول قضايا العنف والجريمة، لكننا نطالب بمعالجة فنية واعية تُظهر العواقب الحقيقية لهذه السلوكيات، وتؤكد أن القانون هو الفيصل، وأن النجاح لا يأتي عبر طريق الفوضى.
المسؤولية مشتركة بين صناع الدراما، والرقابة، والقنوات الفضائية، بل وحتى الجمهور نفسه الذي يملك سلاح المشاهدة والاختيار. فكلما دعمنا الأعمال الهادفة، شجعنا المنتجين على الاستثمار في محتوى يرقى بالذوق العام ويعزز القيم الإيجابية.
يبقى الأمل أن نشاهد في المواسم القادمة أعمالًا تفتح آفاقًا جديدة للشباب، وتقدم قصص نجاح حقيقية، وتغرس قيم العمل والاجتهاد، وتحترم خصوصية الشهر الكريم ومكانته في قلوب المصريين. فالدراما ليست مجرد ترفيه، بل قوة ناعمة قادرة على بناء الوعي… أو هدمه.
دراما الملايين… خارج الذوق العام


