درة تعود من الظل إلى الضوء “إثبات نسب”
عمر ماهر
في انفراد خاص يترقبه جمهور الدراما العربية بشغف، تعود النجمة درة إلى الشاشة الصغيرة بظهور مميز وحصري بعد فترة غياب طويلة فرضتها ظروف إنتاجية معقدة وتعثرات متلاحقة، لتطل أخيرًا من خلال مسلسل «إثبات نسب» الذي استقر عرضه رسميًا ضمن موسم دراما رمضان 2026، واضعًا حدًا لحالة من الانتظار والجدل استمرت لأكثر من عامين، ومعلنًا عن عودة فنية تبدو الأكثر نضجًا وجرأة في مسيرتها، عودة لا تقوم على الحضور الشكلي أو البطولة التقليدية، بل على مغامرة درامية ثقيلة ومشحونة نفسيًا، تعيد تعريف صورتها كممثلة تبحث عن العمق قبل البريق، وعن التأثير قبل الظهور.
منذ اللحظة الأولى للكشف عن المشروع، كان «إثبات نسب» عملًا يحيطه الغموض، فالمسلسل الذي كان مقررًا له أن يرى النور في رمضان 2024، ثم تأجل إلى 2025، دخل بعدها في نفق من الصمت الإنتاجي، وسط تساؤلات متكررة حول مصيره، وتكهنات عن احتمالية إلغائه، إلا أن صُنّاعه تمسكوا به بوصفه مشروعًا نوعيًا لا يقبل التسرع أو الحلول الوسط، لتستمر محاولات إعادة ترتيبه حتى استقر أخيرًا على موعد عرضه في رمضان 2026، وكأن العمل نفسه يمر بمخاض عسير يشبه تمامًا طبيعة الحكاية التي يرويها على الشاشة.
هذا التأجيل الطويل لم يضعف الحماس، بل ضاعف من فضول الجمهور والنقاد على السواء، فكلما طال الانتظار، ارتفعت التوقعات، وكلما زاد الصمت، تعمّق الشعور بأننا أمام تجربة مختلفة لا تُصنع وفق القوالب المعتادة، وهو ما تؤكده طبيعة الدور الذي تقدمه درة، حيث تخوض واحدة من أكثر الشخصيات تعقيدًا في مشوارها الفني، شخصية لا تعتمد على الانفعال الخارجي أو المشاهد الصاخبة، بل على أداء داخلي متدرج، قائم على التفاصيل الدقيقة، والنظرات الصامتة، والانكسارات الصغيرة التي تتراكم ببطء حتى تنفجر دراميًا في لحظات حاسمة.
تدور أحداث «إثبات نسب» حول امرأة بسيطة، تنتمي إلى طبقة اجتماعية متوسطة، تعيش حياة هادئة أقرب إلى الروتين اليومي، قبل أن يتحول طفلها الوحيد فجأة إلى مركز صراع شرس تتداخل فيه المصالح العائلية بالمال، والسلطة بالانتقام، والحقيقة بالشك، لتجد نفسها في مواجهة شبكة معقدة من الاتهامات والتشكيك، ليس فقط في حقها القانوني أو الاجتماعي، بل في ذاكرتها نفسها، وفي صدق روايتها للأحداث، وفي سلامتها النفسية، وكأن العالم كله يتآمر على نزع يقينها من داخلها.
ومع تصاعد الحلقات، لا تبقى البطلة مجرد أم تحاول حماية ابنها، بل تتحول إلى شخصية ملتبسة، تائهة بين الحقيقة والوهم، بين ما تتذكره وما يُقال لها إنه لم يحدث، لتدخل في منطقة رمادية تجعل المشاهد في حالة ترقب دائم، فلا يعرف على وجه الدقة إن كانت ضحية مؤامرة كبرى، أم أسيرة ذاكرة مثقلة بالصدمة، أم أن الحقيقة تقف في مكان ما بين الاحتمالين، وهو البناء الدرامي الذي يمنح العمل طابع التشويق النفسي أكثر من كونه مجرد حكاية اجتماعية تقليدية.
وتبدو درة في هذا العمل وكأنها تعيد اكتشاف أدواتها التمثيلية من جديد، فملامحها الهادئة تتحول إلى مساحة واسعة للتعبير، وعيناها تتحملان عبء السرد أكثر من الحوار، وجسدها كله يصبح لغة صامتة تنقل الخوف والارتباك والصلابة في آن واحد، لتقدم أداءً يعتمد على الاقتصاد في الحركة والكلمة، لكنه غني بالإيحاء، وهو النوع من الأدوار الذي يتطلب خبرة وثقة كبيرة بالنفس، لأنه يراهن على الصمت بقدر ما يراهن على الكلام.
اللافت أن «إثبات نسب» لا يكتفي بطرح صراع أم على ابنها، بل يفتح ملفات شائكة تتعلق بالهوية والعدالة والسلطة الذكورية والموروثات الاجتماعية، فيطرح سؤالًا وجوديًا قاسيًا: ماذا لو فقد الإنسان حقه في إثبات أبسط حقيقة تخص حياته؟ ماذا لو صار مضطرًا لإثبات نسب طفله في مجتمع يفترض أن الحنان وحده يكفي ليكون دليلًا؟ هنا يتحول العنوان إلى رمز، ليس فقط لإثبات صلة دم، بل لإثبات الوجود نفسه، وإثبات الحق في أن تُصدق روايتك عن حياتك.
الجانب البصري للعمل يعكس هذا التوتر الداخلي بوضوح، فالأجواء القاتمة، والإضاءة الخافتة، والديكورات المغلقة، تمنح المشاهد إحساسًا دائمًا بالاختناق والضيق، وكأن البطلة محاصرة داخل عالم لا يترك لها منفذًا للنجاة، وهو ما يتناغم مع الصورة الترويجية التي ظهرت فيها درة ممسكة بملابس طفل صغير إلى صدرها، بنظرة ممتلئة بالحزن والقلق، في مشهد يلخص جوهر الحكاية: أم تخشى أن ينتزع منها الجزء الوحيد الذي يمنح حياتها معنى.
عودة درة عبر هذا المشروع لا تبدو عودة عادية أو استكمالا طبيعيا لمسيرة ناجحة فحسب، بل أشبه ببيان فني يؤكد رغبتها في اختيار أدوار تحمل تحديا حقيقيا، بعيدًا عن الأدوار المريحة أو المتوقعة، فهي لا تراهن على جماهيريه وحدها، بل على قدرتها على الإقناع والتجدد، وعلى خوض مناطق نفسية معقدة قد لا تكون سهلة على المشاهد، لكنها بلا شك تترك أثرا طويل المدى.
ولعل هذه العودة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، حيث يشهد موسم رمضان منافسة شرسة بين عشرات الأعمال، ما يجعل التميز مرهونا بالاختلاف لا التكرار، وهنا يبرز «إثبات نسب» كعمل يراهن على القصة المحكمة والأداء العميق بدل الضجيج، وعلى المشاعر الصادقة بدل الاستعراض، وهو ما قد يجعله أحد أبرز رهانات الموسم وأكثرها تأثيرا.
في النهاية، لا يبدو «إثبات نسب» مجرد مسلسل جديد يضاف إلى رصيد درة، بل محطة فاصلة في مشوارها، تجربة تختبر فيها حدودها كممثلة، واختبر فيها الدراما العربية قدرتها على تقديم حكايات إنسانية كثيفة ومركبة، وبين انتظار طويل وعودة طال شوق الجمهور إليها، تقف درة اليوم على أعتاب مرحلة مختلفة، أكثر نضجا وجرأة، لتقول من خلال هذا العمل إن الغياب لم يكن فراغ، بل استعدادا لظهور أقوى، وإن بعض الأدوار لا تأتي كثيرًا في العمر، لكنها حين تأتي، تترك أثرا لا يمنح.
درة تعود من الظل إلى الضوء “إثبات نسب”


