الرئيسيةمقالاترسالة إلي الأنقياء الأتقياء
مقالات

رسالة إلي الأنقياء الأتقياء

رسالة إلي الأنقياء الأتقياء

رسالة إلي الأنقياء الأتقياء

بقلم الكاتب: سامي محمود

 

إلي من لم تتلوث نفوسهم بنيران الحقد،

ولا لوَّثت قلوبهم أدران الغِل،

ولا أطفأت أنفاسُ الحسد في صدورهم مصابيحَ النور.

إلي من مشوا علي الأرض بخفّة العصافير،

وتركوا في الطرقات رائحةَ الورد، والفل، والياسمين،

كأنهم صلوا صلاةً خاشعةً لا خطيئة بعدها.

إلي كبار النفوس،

الذين إذا أشرق النجاح في يد غيرهم،

صفّقوا له بقلوبهم قبل أكفّهم،

لأن الفرح عندهم عبادة،

ولأن الغِبطة خُلُق الأتقياء.

إلي من ارتقوا إلي رحاب العُلا،

فلم يلتفتوا إلي صغائر الدنيا،

ولم تُغرِهم موائدُ المادّة،

لأن أرواحهم تعلّمت الصومَ عن الدنايا.

هؤلاء الذين صدق فيهم قولُ الله تعالي:

إن أكرمكم عند الله أتقاكم

سورة الحجرات آية 13

فالتقوي عندهم ليست ثوبًا،

ولا شعارًا،

ولا ادّعاء،

بل نبضٌ يسكن الضلوع،

وسكينةٌ تهبط عند الخصام.

إلي النفوس الراقية،

النادرة كندرة الذهب والماس،

ولا يعرف قدرها إلا من صُقِل قلبُه

كما يُصقَل الجوهرُ بالنار.

وهل يدرك الأحمق قيمةَ الجواهر؟

أم يفهم المجنون لغةَ الضوء؟

وهل يري الأعمي إلا من فتح الله بصيرته؟

كما قال تعالي:

فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور

سورة الحج آية 46

هؤلاء الذين أشرق نورُ الله في دواخلهم،

فتحرّكت عقولهم بين بساتين الشعراء،

وحدائق الأدباء،

فنهلوا من عذب البيان،

وعبقوا برائحة الريحان.

عقولٌ قرأت،

وقلوبٌ تأمّلت،

وأرواحٌ تهذّبت،

فصار الفكرُ صلاة،

والكلمةُ صدقة،

والاختلافُ أدبًا.

وهنا يقول الإمام أبو حامد الغزالي:

إن صفاء القلب هو مفتاح العلم،

وأن العلم بلا تزكيةٍ حجاب،

فكانوا من أهل التزكية قبل أهل المعرفة.

ويري علماء التصوف

أن النفس إذا تهذّبت

صارت مرآةً للحق،

وإذا تُركت

صارت وحشًا يفترس صاحبَه.

وطوبي لمن زكّاها،

كما قال الله تعالي:

قد أفلح من زكّاها

سورة الشمس آية 9

هؤلاء الذين سمت نفوسهم،

فأصبحوا ملائكةً بأرواحهم،

وبشرًا بأجسادهم،

يمشون بين الناس

ولا يكسرون خاطرًا.

فأداروا نفوسهم

ولم تُدرهم،

وحكّموا عقولهم

ولم تستعبدهم أهواؤهم.

ويقول النبي صلي الله عليه وسلم:

إنما الأعمال بالنيات،

وإنما لكل امرئ ما نوي

حديث شريف متفق عليه.

فالنية عندهم ميزان،

والقصدُ طريق،

والصدقُ بوصلة

لا تضل ولا تخون.

ويري الشيخ محمد الغزالي

أن التدين الحق

هو أخلاق تتحرك،

لا شعارات تُرفع،

وأن الدين إذا انفصل عن الرحمة

تحوّل إلي قسوةٍ مقنّعة.

أما الشيخ محمد متولي الشعراوي

فكان يري

أن طهارة القلب

هي أعلي مراتب الفهم،

وأن من صفا قلبُه

فتح الله له من معاني كتابه

ما لا يفتح لغيره.

ويقول المفكر محمد عمارة

إن الإسلام جاء ليبني الإنسان

قبل أن يبني العمران،

وأن أزمة الأمة

هي أزمة قيم

قبل أن تكون أزمة موارد.

ويؤكد أنور الجندي

أن الحضارة لا تقوم علي المادة وحدها،

بل علي الأخلاق والهوية،

وأن الأمة التي تفقد قيمها

تفقد روحها

ولو ملكت الدنيا.

ويري فهمي هويدي

أن التعايش والعدل

واحترام الإنسان

هي جوهر الرسالة الإسلامية،

وأن الإيمان الحقيقي

ينعكس سلوكًا

قبل أن يُتلي كلامًا.

وهكذا تجتمع الشهادات

من علماء الدين،

وعلماء النفس،

وعلماء الاجتماع،

علي أن الإنسان

حين يسمو خُلُقه

يعلو مقامه.

كما يقرر علماء النفس

أن النقاء الداخلي

يصنع التوازن،

وأن الحقد مرض

يأكل صاحبَه قبل غيره.

ويقول علماء التنمية البشرية

إن التفكير الإيجابي

والحب الصادق

يصنعان إنسانًا ناجحًا

قبل أي مهارةٍ أخري.

وهنا يهمس القرآن:

ألا بذكر الله تطمئن القلوب

سورة الرعد آية 28

فالطمأنينة ليست مالًا،

ولا منصبًا،

ولا تصفيقًا،

بل سكونٌ في القلب

إذا حضر الله.

وطوبي لهؤلاء الأتقياء،

الذين إذا أحبّوا صدقوا،

وإذا اختلفوا عدلوا،

وإذا قُدِر عليهم صبروا.

الذين رأوا الجمال

في الطاووس،

وفي الغابة،

وفي السماء،

وفي الإنسان.

فكانوا كالعطر الفوّاح،

لا يُري،

ولكن يُشعَر به،

وتبقي آثاره

بعد الرحيل.

المجد والعُلا لهم،

لأنهم اختاروا الطريق الأصعب،

طريق النقاء،

وطريق السمو،

وطريق الوفاء.

سلامٌ علي أرواحهم،

وسكينةٌ علي قلوبهم،

ونورٌ علي دروبهم.

رسالة إلي الأنقياء الأتقياء

رسالة إلي الأنقياء الأتقياء

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *