رمضان بين العادة والعبادة: “انسلاخ عن الروحانيات وإغراق في الماديات”
بقلمي: زينة لعجيمي
الجزائر
العبادات الشعائرية حينما تؤدى وفقا للشرع، عبوديةً وتعظيمًا لله عز وجل، ترتقي بالمسلم روحانيا وتسمو بنفسه للمعالي، لتتجلى من خلالها معاني العبودية الحقة والمخلوقية لدى العبد، وتمام خضوعه للخالق جلت صفاته وتقدست أسماؤه.
رمضان هذا الشهر العظيم، للأسف بدأ منذ عقود، يأخذ منحا مغايرا تماما لماهيته في عقول وتصور الكثير من المسلمين، لينتقل من كونه واحدا من أعظم مواسم الطاعة والنفحات الربانية، والارتقاء بالروحانيات والارتباط بالسماء، إلى موسم الخلود أكثر إلى الأرض، والإغراق في الملذات والماديات، لقد أصبح رمضان الموسم السنوي للأكل والسهر والكسل بامتياز، فنجد السواد الأعظم من هذه الأمة تستعد له بتكديس وابتياع صنوف الطعام، وترقب ما سيُعرض خلال رمضان من مسلسلات وبرامج ترفيهية، سمتها الغالبة التفاهة والابتذال، فكثير منها يضرب في صميم العقيدة، ويخدش حرمة هذا الشهر الفضيل، ليهدم شيئا فشيئا القيم والفضائل في النفوس، لما تحويه من المغالطات الدينية والأخلاقية.
المفروض أن رمضان يعلمنا ضبط النفس والتحكم بأهوائها، لكن للأسف الشديد واقع الحال يخبر بعكس ذلك، كوننا لم نفهم فقه الصيام ولم ننزل هذا الشهر العظيم منزلته.
لقد صيّرنا رمضان موسم الأكل والسهر، فعكسنا فيه سنة الله في خلقه، سهر بالليل ونوم بالنهار، حتى العبادات كادت تغدو مجرد طقوس شكلية، تفتقد قدسيتها، يستهدف الكثير من ورائها الكم على حساب الكيف، فتراه يتفاخر بأعداد الركعات والختمات، وإن سألت أحدهم عن آية واحدة فقط تدبرها فزلزلت قلبه، أو ركعة خشع فيها طيلة الشهر قد يتلعثم ويعجز عن الإجابة!
للأسف كل عام في نهاية رمضان ومايليه، نفس السيناريو يتكرر، بطون من الأكل متخمة، ونفوس مثقلة، عن هويتها الدينية والإيمانية متسلخة، كونها مارست رمضان “العادة” لا العبادة، وكأنها لم تنل هذه المنحة الربانية العظيمة، ففاتها شرف الارتقاء لنورانيات السماء، فتظل الأرواح منهكة، تتنازعها تبعات غربتها الإيمانية وكثير من الأدواء.
رمضان فرصة عظيمة للروح والنفس، تتجسد بها أسمى معاني العبودية والخضوع لله عز وجل، وتتجلى فيها قدرة الإنسان على العودة إلى الفطرة والروحانية، وانعتاقه من قيود الطين والمادة التي تكبله وتأسره، فيتحرر من أسر الهوى والشيطان، في زمن كاد يُصيّره كائنا آليا منغمسا في الماديات، ومغيّبا عن مقام العبودية، غافلا عن علة وجوده في الدنيا غير مستعد لمصيره بعدها.
نحن بحاجة للتفقه في ديننا، وفهم المقاصد العليا للشعائر التعبدية، والحفاظ على قدسيتها، لقد ابتعدنا كثيرا عن ذلك للأسف الشديد، فجعلنا أزمنة العبادات والطاعات مواسم اجتماعية، وطقوسا يحكمها العرف، التقاليد وكثير من الظواهر والأفكار الوافدة على عباداتنا، والتي لا تمت للشرع بصلة كما فعلنا برمضان!
فلنجعل من هذا الشهر المعظم معراجا نورانيا نحو السماء، لا انحدارا وتقهقرا نحو الأرض والإغراق أكثر في عالم المادة.
رمضان بين العادة والعبادة: “انسلاخ عن الروحانيات وإغراق في الماديات”
بقلمي: زينة لعجيمي
الجزائر


