رمضان زمان في الخمسينيات
فرج احمد فرج
باحث انثروبولوجيا
كانت العريش في خمسينيات القرن الماضي قصيدةً بكرًا يكتبها النخيل على رمالٍ لم تطأها خطى الصخب بعد، حيث كان الزمان ينساب وئيدًا كجريان الماء في السواقي، وكان لرمضان فيها نكهةٌ تمتزج برائحة اليود القادم من جهة البحر وعبق الحطب المحترق في التنانير الطينية، تبدأ الحكاية من ذلك الشارع الرئيسي الشريان النابض للمدينة الهادئة، حيث يتربع المسجد الرفاعي بوقاره المهيب ومئذنته التي كانت تعانق السماء كمنارةٍ للروح في قلب العريش، وهناك، كنا نحن الصغار نتحلق حول عتباته العتيقة بوجوهٍ لوحتها شمس سيناء وقلوبٍ تترقب اللحظة الحاسمة، نراقب المؤذن وهو يتهيأ لرفع النداء من فوق ساحة الرفاعي التي شهدت سجدات أجدادنا، وما إن يخرج الحرف الأول من “الله أكبر” حتى تنفجر فينا طاقةٌ لا تعرف التعب، فننطلق في سباقٍ محموم عبر الأزقة الرملية، نشق سكون المساء بصرخاتنا المبهجة “أذّن.. أذّن”، نزفّ الخبر السعيد للبيوت المنتظرة خلف الأبواب المشرعة، لتبدأ مع صيحاتنا طقوس الإفطار فوق “الفراشيح” المغموسة بمرق اللحم ورائحة السمن البلدي التي تفوح من كل دار، وما إن يفرغ القوم من صلاتهم وتستقر السكينة في النفوس، حتى يتبدل وجه المدينة الساكن، فتخرج من البيوت أسرابٌ من الأطفال يحملون فوانيس الصفيح والزجاج الملون، يتراقص ضوء الشموع بداخلها فيرسم على الجدران الطينية ظلالاً لقصصٍ خرافية، وفي الساحات الواسعة التي يغسلها ضوء القمر بفضته، يرتفع نداء البراءة الذي لا يزال يتردد صداه في أروقة الذاكرة “شلعب يا ملعب.. واللي اتعشى يجي يلعب”، فتغدو الكلمات دعوةً مقدسة للمرح، تجتمع عليها القلوب الصغيرة في حلقات اللعب والجري بين ظلال النخيل، حيث لا صوت يعلو فوق ضحكاتنا التي كانت تملأ ليل العريش بالدفء والأمان، في زمنٍ كانت فيه السعادة تُصنع من أبسط الأشياء، وكان رمضان رحلةً سنوية نغسل فيها أرواحنا بمحبة الجار ومشاركة اللقمة وسهر الليالي المقمرة التي لم تكن تنتهي إلا بصوت المسحراتي وهو يطرق أبواب الفجر، معلناً بداية يومٍ جديد من الصيام في بلادٍ كانت السكينة فيها هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجميع.
*- “المسجد الرفاعي” (أو مسجد آل جرير)، وهو المسجد الأشهر والأقدم في قلب شارع 23 يوليو (الشارع الرئيسي) بمدينة العريش.
هذا المسجد لم يكن مجرد مكان للصلاة، بل كان “بوصلة” المدينة ومنارتاه هما العلامة الفارقة في سمائها بذاك الزمان، ومن أمامه كانت تنطلق صيحاتكم كأطفال لتبشروا البيوت بموعد الإفطار.
وفي مطروح
في قلب مرسى مطروح، حيث تتناغم أمواج البحر الأبيض المتوسط مع نسائم الصحراء، كانت الخمسينيات من القرن الماضي تحمل نكهة خاصة لرمضان. كانت الشوارع الرئيسية، التي لم تكن تعج بالصخب والزحام كما هي اليوم، تستعد لاستقبال الشهر الفضيل بحفاوة وهدوء. كان جامع مطروح الكبير، أقدم مساجد المدينة، يتصدر المشهد كمنارة روحانية، تتهيأ مئذنته لتصدح بآذان المغرب معلنةً فك الصيام.
في تلك الأيام، كان الاستعداد لرمضان يبدأ مبكرًا. كانت البيوت تفوح برائحة الكعك والمعجنات، وتزدان بنقوش الحناء، وتتأهب لاستقبال الأهل والأحباب. كان الشارع الرئيسي، الذي لم يكن يحمل اسم “علم الروم” بعد، يشهد حركة دؤوبة من التجار والبائعين، يعرضون بضائعهم المتنوعة من التمر والمكسرات والعصائر الرمضانية. كان الأطفال يركضون هنا وهناك، تملأ ضحكاتهم الأجواء، وهم يحلمون بفوانيس رمضان التي ستزين بيوتهم وشوارعهم.
ومع اقتراب الشهر الكريم، كانت الأجواء الروحانية تزداد عمقًا. كانت المساجد تمتلئ بالمصلين، وتصدح بتلاوات القرآن الكريم، وتكثر فيها حلقات الذكر والدروس الدينية. كان أهل مطروح، ببساطتهم وكرمهم المعهود، يتبادلون التهاني والزيارات، ويحرصون على مد يد العون للمحتاجين والفقراء. كان رمضان في تلك الأيام ليس مجرد شهر للصيام والعبادة، بل كان مناسبة للتواصل والتراحم والتكافل الاجتماعي.
ومع غروب شمس أول يوم من رمضان، كان مشهد الإفطار جماعيًا في أغلب البيوت. كانت الموائد تجمع الأسر والجيران، وتفيض بأشهى الأطباق المطروحية التقليدية. وبعد الإفطار، كان الجميع يتجهون إلى المسجد الأقدم لأداء صلاة التراويح، تلك الصلاة التي كانت تضفي على الليل سحرًا وروحانية خاصة.
وفي ليالي رمضان، كانت المقاهي الشعبية تمتلئ بالرجال، يتبادلون الأحاديث والقصص، ويتسامرون حتى وقت السحور. كانت الشوارع تضج بالحياة، وتزدان بالأنوار الخافتة، وتنتشر فيها رائحة البخور والعطور. كان كل شيء في مطروح في الخمسينيات يحمل عبق الماضي الجميل، وروحانية رمضان الأصيلة.
ومع وداع الشهر الكريم، كانت القلوب تمتلئ بالحزن والأمل. الحزن على انتهاء أيام البركة والخير، والأمل في أن يعود رمضان في العام القادم، ليجلب معه السعادة والراحة والطمأنينة. وهكذا، كان رمضان في مرسى مطروح في الخمسينيات، قصة حية من الإيمان والتراث، تركت بصماتها على صفحات التاريخ، وبقيت حكاياتها تروى على ألسنة الأجيال.
1. المسجد الرئيسي (الأقدم): هو “الجامع الكبير” (ويُعرف أيضاً بمسجد مطروح الكبير أو مسجد العوام قديماً في بعض الروايات المحلية قبل توسعاته الحديثة). هذا المسجد هو المركز الروحي للمدينة، ومن مئذنته كان ينطلق نداء الإفطار الذي يتردد صداه حتى شواطئ البحر.
2. الشارع الرئيسي: هو “شارع الجلاء” (أو ما كان يُعرف بامتداد الطريق الساحلي الرئيسي او شارع الاسكندرية الذي يقطع المدينة). في تلك الحقبة، كان هذا الشارع هو الشريان التجاري والاجتماعي الذي يربط السوق القديم بالمنطقة الإدارية، وتصطف على جانبيه المحلات البسيطة التي تبيع مستلزمات رمضان من تمور “سيوية” وأقمشة ومنسوجات بدوية.
كانت هذه المنطقة تمثل “وسط المدينة” الحقيقي، حيث يلتقي أهل البادية بسكان المدينة وتجارها، خاصة في ليالي رمضان تحت أضواء الفوانيس الخافتة.
وفي النوبة
تنساب أنوار رمضان إلى أطراف الأرض المصرية وكأنها حكايات منسوجة من طمي النيل ورمال الصحراء، حيث تخلع الأقاليم البعيدة رداء أيامها العادية لترتدي حلة من القداسة الفطرية التي لا تعرف التكلف، فتتجلى الروح المصرية في أبهى صورها حين تمزج بين عبادة السماء وعادات الأرض. ففي قلب النوبة القديمة، تلك البلاد التي يغفو النيل في أحضانها، كان لرمضان إيقاع خاص يبدأ من حفيف سعف النخيل قبل حلول الشهر بأسابيع؛ هناك حيث تجتمع النسوة في حلقات ودودة ليصنعن “الأبريه”، ذلك المشروب الأسطوري الذي يختصر ذاكرة النوبة في مذاقه، إذ يُخبز عجيناً رقيقاً كالورق على “الدوكة” الحديدية، ثم يُجفف ليصبح تميمة الإفطار التي تروي عطش الصائمين بلمسة من الحموضة المنعشة والليمون. ولم تكن البيوت النوبية في رمضان مجرد جدران مزينة بالنقوش الهندسيّة، بل كانت قلاعاً للكرم، حيث يرفض النوبي الأصيل أن يغلق بابه وقت الغروب، بل تخرج “الأبراش” الملونة والمصنوعة من خوص النخيل لتفترش ضفاف النيل أو ساحات القرى، فتتحول الأرض إلى مائدة واحدة يذوب فيها الفارق بين صاحب الدار وعابر السبيل، وتتعالى الضحكات النوبية العذبة الممتزجة بأصوات تراتيل دينية بلغة تجمع بين العربية والنوبية في سيمفونية إيمان لا يدرك كنهها إلا من عاش تفاصيلها.
وبينما يهدأ الليل فوق النيل النوبي، تشتعل الروح في “الصعيد الجواني”، حيث يتحول رمضان إلى ساحة للشهامة والفروسية، فما إن تنتهي صلاة التراويح حتى تنصب حلبات “التحطيب” في الساحات الواسعة، وتتعالى دقات الطبل والمزمار البلدي، ليرسم الرجال ببراعتهم في اللعب بالعصا لوحات من الزهو الصعيدي الممزوج بروحانية الشهر، بينما تظل “الدواوين” و”الساحات الصوفية” في الأقصر وقنا وسوهاج مفتوحة كقلوب أهلها، تقدم الفتة واللحم في قدور ضخمة تكفي كل غريب، ويطوف “المنشدون” بالمدائح النبوية والسيرة الهلالية ليربطوا ليل الصيام بعبق التاريخ وبطولاته. أما في أقصى الغرب، حيث “مطروح” وواحة “سيوة”، فإن رمضان يأخذ طابع الهدوء الصوفي والأنفة البدوية، ففي مطروح يترقب “أولاد علي” هلال الشهر بسباقات الخيل، ويجتمعون في “المربوعة” حول صواني اللحم والكسكسي، بينما تنفرد “سيوة” بعزلتها الجميلة، حيث يفطر أهل الواحة على “الجمار” الأبيض المستخرج من قلب النخل كهدية من الأرض لمن صام وصبر، وتظل أزقتها الضيقة المبنية من “الكرشيف” تنبض بدعوات صامتة بلغتهم الأمازيغية الفريدة التي تناجي الخالق في سكون الصحراء.
“الفانوس” في الحسين كان له شأن آخر؛ لم يكن مجرد أداة إنارة، بل كان قطعة فنية من النحاس المشغول والزجاج الملون، يحمله الأطفال وهم يطوفون بين “درب اللبانة” و”حي الجمالية”، ينشدون “وحوي يا وحوي” في احتفالية فطرية تربط بين براءة الطفولة وعراقة التاريخ. هكذا كان وما زال حي الحسين والقلعة في رمضان؛ ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو “روح مصر” التي لا تشيخ، حيث يلتقي عبير النبوة ببهجة الشعب، ليصنعا معاً ليلة لا تنتهي إلا بطلوع الفجر ونداء المسحراتي الذي يودع الليل بضربات طبلته الرخيمة.


