الرئيسيةمقالاتزلزال الشرق: صراع العقود والمواجهة الكبرى
مقالات

زلزال الشرق: صراع العقود والمواجهة الكبرى

زلزال الشرق: صراع العقود والمواجهة الكبرى

زلزال الشرق: صراع العقود والمواجهة الكبرى

بقلم: صلاح عبدالسلام 

 

انطلقت شرارة الصراع التاريخي عقب سقوط نظام محمد رضا بهلوي، شاه إيران، عام 1979م، حيث غادر البلاد إثر احتجاجات شعبية عارمة، ليعود الخميني من منفاه في فرنسا معلناً قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العام ذاته. وفي مطلع عام 1980م، تصاعد التوتر بشكل غير مسبوق باقتحام طلاب إيرانيين مقر السفارة الأمريكية واحتجاز 52 دبلوماسياً كرهائن لمدة 444 يوماً. ووفقاً لتقارير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، فقد تم توثيق أكثر من 60 هجوماً مدعوماً من طهران استهدف مصالح الولايات المتحدة وفرنسا، بما في ذلك الهجوم على السفارة الأمريكية في لبنان، مما دفع واشنطن رسمياً لتصنيف إيران كدولة راعية للإرهاب عام 1984م.

خلال عامي 1985 و1986م، سعت إدارة الرئيس رونالد ريغان لتمويل حركات المعارضة للإطاحة بالحكومة اليسارية وحزب “ساندينيستا” في نيكاراغوا، الذي كان مدعوماً من الاتحاد السوفيتي، وهي العمليات التي كُشف عنها لاحقاً في الفضيحة السياسية المعروفة بصفقة “إيران كونترا”. وفي تطور دراماتيكي عام 1988م، أسقطت سفينة حربية أمريكية طائرة تابعة للخطوط الجوية الإيرانية، مما أسفر عن مقتل جميع من كانوا على متنها وعددهم 290 راكباً، وهي الحادثة التي اعتبرتها الإدارة الأمريكية “خطأً تقنياً”. ومع وصول بيل كلينتون للرئاسة، شددت واشنطن عقوباتها واتهمت طهران بدعم الإرهاب الدولي ومعارضة جهود السلام في الشرق الأوسط والسعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل.

شهد عام 2019 انعطافة حادة مع تشديد الولايات المتحدة عقوباتها على صادرات النفط الإيرانية، تلتها انفجارات غامضة استهدفت ست ناقلات نفط في خليج عمان، حيث وجهت واشنطن أصابع الاتهام مباشرة إلى إيران. وفي العام ذاته، أسقطت الدفاعات الإيرانية طائرة مسيرة أمريكية فوق مضيق هرمز، مما دفع طهران للبدء في التراجع عن التزاماتها بموجب الاتفاق النووي رداً على الضغوط. وبلغ التصعيد ذروته في مطلع عام 2020، حينما أمر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن غارة جوية استهدفت موكب قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، مما أدى إلى مقتله في عملية هزت أركان المنطقة وأدخلت الصراع في نفق مظلم.

مع حلول عام 2021، انخرط المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون في ست جولات من المحادثات النووية غير المباشرة في العاصمة النمساوية فيينا، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي. غير أن عام 2022 شهد إعلان الرئيس جو بايدن أن جهود العودة للاتفاق النووي قد “ماتت”، مما رفع منسوب القلق العالمي بعد 17 شهراً من التفاوض المتعثر. وفي عام 2023، توصل الجانبان لاتفاق بوساطة إقليمية تضمن مبادلة محتجزين لدى الطرفين، بالإضافة إلى إلغاء تجميد 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية في كوريا الجنوبية، في خطوة بدت وكأنها “تبريد” مؤقت للأزمات المشتعلة قبل أن تنفجر الأوضاع مجدداً في المنطقة عقب أحداث السابع من أكتوبر.

منذ حوادث 7 أكتوبر 2023، تبنت الولايات المتحدة موقفاً حازماً في دعم إسرائيل في حربها ضد حماس وحزب الله في غزة ولبنان، مستخدمة كافة الضغوط العسكرية لضبط الأوضاع وتأمين الحماية المطلقة لأمن إسرائيل، رغم التباين في بعض المواقف حيال التصرفات الإسرائيلية الميدانية. ووصل التصعيد لمرحلة “المواجهة المباشرة” بتبادل الضربات بين إيران وإسرائيل بمشاركة أمريكية، حتى وقعت الضربة الأمريكية الإسرائيلية الكبرى عام 2026. استهدف هذا الهجوم الجوي الواسع مواقع عسكرية ومنشآت نووية حساسة في طهران وفوردو ونطنز وأصفهان، مما أدى لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من كبار القادة العسكريين والمدنيين الإيرانيين في تطور زلزل استقرار النظام.

جاء الرد الإيراني فورياً عبر إطلاق رشقات صاروخية مكثفة استهدفت القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، مع تنفيذ هجمات واسعة بطائرات مسيرة ضد أهداف إسرائيلية وأمريكية، بالتزامن مع تقديم شكوى رسمية للأمم المتحدة. وقد أدت هذه الضربة المشتركة إلى تداعيات دولية كارثية، شملت إغلاق مضيق هرمز الحيوي أمام الملاحة العالمية ومقتل أعداد كبيرة من المدنيين والعسكريين، مما وضع الاقتصاد والأمن الدوليين على المحك. ولا يزال المشهد الحالي يتسم بالتوتر الشديد، مع استمرار الاشتباكات الميدانية المباشرة وتبادل الضربات الصاروخية عبر الحدود، في ظل غياب أي أفق للتهدئة أو التراجع من قبل الأطراف المنخرطة في هذا الصراع الوجودي.

زلزال الشرق: صراع العقود والمواجهة الكبرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *