سماء تتحرك بلا ضجيج
بقلم/نشأت البسيوني
في عالم يزدحم بالضوضاء ويضيق بأنفاس الركض اليومي تظهر لحظة نادرة تشبه انفتاح نافذة في جدار مزدحم لحظة يباغتك فيها صمت لا يشبه غياب الأصوات بل يشبه حضورا هادئاً كثيفا يغمر الروح بكثافته وكأنه سماء تتحرك بلا ضجيج هذه اللحظة لا تأتي بموعد ولا تستدعى بإرادة إنها فقط تعرف متى ينهكنا العالم فتأتي كأنها يد تربت على كتف القلب وتقول له ما زلت هنا هناك أوقات
نشعر فيها أن الأحلام تبتعد وأن الضغوط تتكاثر وأن الطريق لم يعد واضحا لا لأننا فقدنا القدرة على السير بل لأن الغبار المتطاير من معارك الحياة يحجب الرؤية ومع ذلك يبقى في داخل كل إنسان شيء لا يمكن للعواصف أن تخدشه بذرة صغيرة تخزن عناد البدايات وإصرار الاستمرار حتى حين يتعب الجسد وتقل الحيلة
وفي كل مرة يتراجع فيها الضوء نجد أن الظل ليس سوى مساحة
مؤقتة لاختبار مقدار ما نحمله من إصرار فالعتمة ليست عدوا دائما بل أحياناً تكون معلما يدرب العيون على البحث عن بصيص ضئيل يستطيع أن يشق طريقا للنهار وكل الذين عبروا من الانكسار إلى القوة لم يسيروا فوق أرض ممهدة بل فوق قلوبهم التي تعلمت كيف تتحمل وطأة الأيام وحين نصل إلى مرحلة ندرك فيها أن الهدوء ليس ضعفاً وأن الصمت لا يعني الاستسلام ندرك أيضا أن أعظم
الانتصارات لا تحتاج للتصفيق وأن الإنجازات التي تنمو بعيدا عن الضوضاء غالباً ما تكون الأطول عمرا لأن قيمتها تأتي من جهد داخلي خالص لا ينتظر شهادة أحد ولا يحتاج إلى ضوء مسلط ليعلن وجوده وما بين البدايات المرهقة والنهايات المشرقة يبقى الإنسان هو الحكاية الوحيدة التي تولد من الرماد وتنهض من الانكسار وتخرج من الدوامة وفي يده يقين لا يذوب بأن المستقبل
ليس وعدا مؤجلا بل احتمالا يعيش بداخلنا كلما قررنا أن نقف من جديد وأن نوسع مكان الخطوة حتى وإن كانت الأرض حولنا تضيق
وهكذا تمضي الحياة بلا مقدمات وبلا مواعيد ثابتة لكن قلوبنا تظل تحمل قدرة فريدة على النجاة قدرة تصنع من كل سقوط بداية ومن كل تعب درسا ومن كل ظلمة طريقا ومن كل طريق ضيق أفقا أوسع مما نتخيل وحين نفهم ذلك ندرك أن السماء التي تتحرك بلا ضجيج ليست فوقنا فقط بل بداخلنا تنتظر أن نرفع رأسنا لنراها
سماء تتحرك بلا ضجيج


