الرئيسيةاخبارسيمون في مواجهة زمن الشكل.. رسالة إنسانية مدوية: الجمال الحقيقي مش في المراية لكن في الروح
اخبارثقافة

سيمون في مواجهة زمن الشكل.. رسالة إنسانية مدوية: الجمال الحقيقي مش في المراية لكن في الروح

سيمون في مواجهة زمن الشكل.. رسالة إنسانية مدوية: الجمال الحقيقي مش في المراية لكن في الروح

 

الكاتب الصحفي والناقد الفني عمر ماهر 

 

في زمن أصبحت فيه الصورة أسرع من الكلمة، والشكل يسبق الجوهر، والفلتر أهم من الحقيقة، تقف النجمة سيمون بهدوء وثبات وكأنها تغرّد خارج السرب، لا تدخل سباق المظاهر ولا تنشغل بمعايير الجمال المصطنع التي فرضها عالم السوشيال ميديا، بل تختار أن تواجه كل ذلك برسالة بسيطة لكنها عميقة التأثير، رسالة تقول إن الجمال ليس ملامح وجه ولا مقاييس جسد، وإنما أخلاق تُرى في التصرفات، وأدب ينعكس في الكلام، وروح نظيفة تترك أثرًا طيبًا في قلوب الناس، وكأنها تقرر أن تعيد تعريف معنى الجمال من جديد، بعيدًا عن الضوضاء وبقرب شديد من الإنسانية.

 

سيمون، التي عرفها الجمهور فنانة شاملة تجمع بين الغناء والتمثيل والثقافة والحضور الراقي، لم تكن يومًا مجرد نجمة تعتمد على شكلها أو حضورها الخارجي فقط، بل بنت مكانتها عبر سنوات طويلة من الاحترام والاختيارات الهادئة والرسائل الراقية، لذلك حين تتحدث عن الجمال فهي لا تتحدث كشعار عابر أو جملة رومانسية للاستهلاك، لكنها تتحدث من تجربة حياة كاملة، من مشوار رأت فيه كيف يلمع البعض سريعًا ثم يختفي، وكيف يبقى آخرون لأنهم ببساطة يملكون قلوبًا بيضاء قبل أن يملكوا وجوهًا جميلة.

 

وفي تصريحات خاصة ومواقف متكررة تعبّر عن فلسفتها في الحياة، تؤكد سيمون أن جمال الوجه وحده لا يكفي، وأن الملامح مهما كانت جذابة فهي زائلة لا محالة، فالزمن لا يجامل أحدًا، والسنين تترك بصمتها على الجميع، لكن الذي يبقى حقًا هو جمال الخُلق، طريقة تعامل الإنسان مع من حوله، احترامه للآخرين، صدقه، ونقاؤه الداخلي، وهي الأشياء التي لا تذبل ولا تتغير، بل تزداد بريقًا كلما مرّ الوقت، لأن الناس في النهاية لا تتذكر شكلك بقدر ما تتذكر إحساسك معهم.

 

وسط عالم فني يضع الفنانات تحديدًا تحت ضغط دائم للحفاظ على صورة مثالية، تبدو سيمون وكأنها اختارت طريقًا مختلفًا تمامًا، طريق الصدق مع النفس قبل إرضاء الكاميرا، فلا تسعى لمجاراة موجات التجميل المبالغ فيها ولا تركض خلف قوالب مفروضة، بل تعتمد على حضورها الطبيعي وثقتها الهادئة، وكأنها تقول بصمت إن الجمال الحقيقي يخرج من الداخل لا من عمليات أو فلاتر، وإن الراحة النفسية تنعكس على الملامح أكثر من أي مستحضر تجميل.

 

الأقربون منها يؤكدون أن هذه الفلسفة ليست مجرد كلام إعلامي، بل أسلوب حياة تعيشه يوميًا، فهي في كواليس العمل كما أمام الجمهور، بنفس التواضع والبساطة والابتسامة الصادقة، تتعامل مع الجميع باحترام دون تفرقة، وتؤمن أن القيمة الحقيقية للإنسان في أخلاقه لا في شهرته، وفي أثره الطيب لا في عدد المتابعين، لذلك استطاعت عبر السنوات أن تكسب محبة الناس قبل إعجابهم، والمحبة كما هو معروف هي العملة النادرة التي لا تُشترى.

 

ولعل رسالتها الأبرز التي ترددها دائمًا تختصر كل شيء: «الجمال زائل، لكن جمال العقل والقلب والروح هو اللي بيفضل»، جملة تبدو بسيطة لكنها تحمل حكمة كبيرة، فالحياة بكل ما فيها يمكن أن تتغير في طرفة عين، شهرة تختفي، أضواء تنطفئ، ملامح تتبدل، لكن الروح الطيبة تظل شاهدة على صاحبها حتى بعد غيابه، لأن الذكر الحسن لا يصنعه الشكل وإنما يصنعه السلوك، والإنسان في النهاية ليس صورة تُعلّق على جدار، بل أثر يُترك في القلوب.

 

في زمن المقارنات القاسية والتنمر وضغوط المثالية، تأتي كلمات سيمون كنوع من المواساة لجيل كامل يشعر أنه مطالب بأن يكون أجمل وأصغر وأكثر كمالًا طوال الوقت، لتذكرهم بأن القيمة الحقيقية ليست في مطابقة المعايير، بل في أن يكون الإنسان نفسه، بعقله وروحه وصدقه، وأن الجمال الحقيقي هو أن تنام مرتاح الضمير، لا أن تحصد إعجابات عابرة. هي مواجهة هادئة لكنها عميقة مع ثقافة الشكل، مواجهة عنوانها الأخلاق والوعي والنضج.

 

وربما لهذا السبب تحديدًا ظلت سيمون حاضرة في الوجدان حتى في فترات غيابها الفني، لأن الجمهور لا يرتبط فقط بالأغاني أو الأدوار، بل يرتبط بالشخص، بالإنسانة التي يشعر أنها قريبة منه وتشبهه، فالنجومية قد تصنعها الأعمال، لكن الاستمرارية يصنعها القلب، وسيمون أثبتت أنها من النوع الذي يبقى، ليس لأنها الأجمل شكلًا، بل لأنها الأصدق روحًا.

 

في النهاية، لا تقدم سيمون درسًا تنظيريًا عن الجمال، بل تقدم نموذجًا حيًا لفكرة بسيطة: كل شيء في الدنيا قابل للزوال، الشهرة والمال والملامح وحتى اللحظات نفسها، لكن جمال الروح وحده هو الذي يعيش للأبد، هو الذي يجعل الإنسان يُذكر بالخير ويُحب دون سبب واضح، وهو الذي يمنح الحياة معناها الحقيقي. وبين ضجيج العالم وسرعة الأيام، تظل رسالتها واضحة كالشمس: اهتموا بقلوبكم قبل وجوهكم، وبأخلاقكم قبل صوركم، فكل شيء يفنى… إلا الجمال الذي يسكن الروح.

سيمون في مواجهة زمن الشكل.. رسالة إنسانية مدوية: الجمال الحقيقي مش في المراية لكن في الروح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *