الرئيسيةاخبارشرق سوريا.. خرائط الضغط الصامت
اخبار

شرق سوريا.. خرائط الضغط الصامت

شرق سوريا.. خرائط الضغط الصامت

شرق سوريا.. خرائط الضغط الصامت

كتب ضاحى عمار

بدأت التحركات الأخيرة شرق سوريا تكشف عن ملامح مرحلة مختلفة، لا تقوم على منطق الحسم العسكري المباشر، بقدر ما تعكس إدارة دقيقة للصراع عبر الجغرافيا وحدود النفوذ. فالمشهد هناك لم يعد معزولًا عن حسابات الإقليم ولا عن توازنات القوى الدولية، خاصة مع تزامن قرارات بدت متفرقة، لكنها عند جمعها ترسم صورة أوسع لإعادة التموضع الأمريكي في المنطقة.

 

من إلغاء الضربة الأمريكية المحتملة ضد إيران، إلى الانسحاب التدريجي من قاعدة عين الأسد، وصولًا إلى التخلي الواضح عن قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، تتشكل سلسلة من الوقائع التي يصعب قراءتها باعتبارها مصادفات. فواشنطن، وفق مراقبين، لا تنسحب من الشرق الأوسط، لكنها تعيد ترتيب أوراقها بما يقلل الكلفة ويُبقي التأثير.

 

ويرى العقيد هاني الحلبي، الخبير الأمني، أن «ما يجري شرق سوريا يعكس تحولا من سياسة المواجهة إلى سياسة الضغط غير المباشر، حيث تصبح الحدود وسيلة نفوذ أخطر من القواعد العسكرية». ويضيف أن السيطرة أو التأثير على الشريط الحدودي السوري العراقي يمنح أطراف الصراع قدرة على تحريك المشهد داخل العراق دون الظهور كفاعل مباشر.

وعلى هذا الأساس، تبدو الجغرافيا أداة ضغط مركزية. فالتحرك نحو الشرق السوري والاقتراب من الحدود لا يعني فقط التحكم في طرق الإمداد، بل يسمح بالتأثير في مناطق عراقية شديدة الحساسية، تتشابك فيها الاعتبارات الأمنية مع التوازنات الطائفية والعرقية. وهنا يصبح الاحتكاك غير المباشر مع نفوذ الحشد الشعبي احتمالًا محسوبًا، لا خطأ تكتيكيًا.

في هذا السياق، يلفت المحلل السياسي طارق الهواري إلى أن «التخلي عن قسد لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لانتهاء دورها الوظيفي في محاربة داعش». ويوضح أن الإدارة الأمريكية أعادت تعريف أولوياتها بعد عودة الرئيس ترامب، حيث لم يعد دعم قوى محلية يتعارض بقاؤها مع حسابات إقليمية أوسع خيارًا مضمونًا.

وتزداد الصورة تعقيدًا مع السماح بفرار مئات من عناصر داعش في سوريا أمام مرأى من قوات التحالف، وهو ما يفتح الباب أمام فرضية «إعادة تدوير التهديد». فالتنظيم، وفق هذا المنطق، لا يُقضى عليه بالكامل، بل يُترك في حالة سيولة تسمح باستخدامه كورقة ضغط أو عامل اضطراب محسوب عند الحاجة.

ومن ناحيتها، تبرز نينوى كنقطة اختبار حقيقية. فالمحافظة، التي تمثل نموذجًا لتشابكات العراق ما بعد 2003، تحولت إلى ساحة تفاعل بين المحلي والإقليمي والدولي. واللقاء الليلي غير المعلن بين محافظ نينوى ووفد من التحالف الدولي، ثم الاجتماع اللاحق مع وفد تركي، يشير إلى أهمية المحافظة في أي ترتيبات قادمة.

ويؤكد العقيد هاني الحلبي أن الانخراط الأمريكي مع القيادات المحلية في نينوى يعكس رغبة في الاحتفاظ بخيوط التأثير، دون العودة إلى الوجود العسكري الواسع. فواشنطن، بحسب تقديره، تسعى إلى إدارة المخاطر لا منعها بالكامل.

وسط هذه التحولات، تعود القضية الكردية إلى موقعها التقليدي كملف أمني مؤقت، لا كقضية حقوق سياسية مستقرة. فغياب الضمانات الدولية، والاعتماد على قوة واحدة، يجعلان القوى الكردية عرضة للتراجع مع كل تغير في ميزان المصالح، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرتها على إعادة صياغة استراتيجيتها.

وفي المحصلة، لا يمكن قراءة ما يجري شرق سوريا كسلسلة أحداث منفصلة، بل كجزء من إعادة تموضع طويلة الأمد. مرحلة تُدار فيها الصراعات بأدوات أقل كلفة وأكثر غموضًا، وتُترك فيها كلفة الفوضى للأطراف الأضعف سياسيًا، بينما تُمسك القوى الكبرى بخيوط اللعبة من الخلف.

شرق سوريا.. خرائط الضغط الصامت

شرق سوريا.. خرائط الضغط الصامت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *