من هنا نبدأ …
المصري بالخارج
شريك وطني واستراتيجي لتعظيم العائد والانتماء
د.م. مدحت يوسف
21 يناير 2026
في خضم الزخم الإعلامي ووسائل التواصل الاجتماعي حول القرارات الأخيرة المتعلقة بالسلع والأجهزة، يبرز تحدٍ استراتيجي حقيقي في العلاقة بين الدولة والمصريين بالخارج. من الأمثلة الواضحة على ذلك القرار الأخير للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات ومصلحة الجمارك بشأن الهواتف المحمولة الذي أنهى فترة الإعفاء الاستثنائي للأجهزة المحمولة بصحبة الركاب القادمين من الخارج وفرض رسوماً جمركية على الهواتف الواردة بنسبة تصل إلى نحو 37.5% مع استمرار الإعفاء لهاتف واحد لكل مسافر والاستخدام الشخصي وإتاحة مهلة 90 يوماً لتقنين الأوضاع.
المصري المقيم بالخارج ليس مجرد رقم في إحصاءات التحويلات المالية أو مسافر عابر للحدود، بل هو امتداد طبيعي للوطن يحمل هويته في كل مجتمع يعيش فيه، ويساهم بشكل مباشر في دعم الاقتصاد الوطني عبر تحويلاته المالية الرسمية والتزامه بالقوانين.
للأسف، أظهرت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي أن القرار الأخير جاء بمعزل عن توجيهات القيادة السياسية التي تشدد على الاستثمار في المصري بالخارج وتعظيم دوره الاقتصادي والوطني. تطبيق مثل هذا القرار دون ربطه بسياسات شاملة يضع المغترب في مواجهة غير متكافئة مع المستورد التجاري، ويخلق شعوراً بعدم التقدير والانتماء رغم أن التحويلات التي يقوم بها تعتبر عنصراً أساسياً لدعم الاقتصاد الوطني حيث سجلت تحويلات المصريين بالخارج خلال 11 شهراً الماضية نحو 37 مليار دولار.
الحل يكمن في تبني سياسات ذكية تربط الإعفاءات أو المرونة الجمركية بحجم مساهمة المصري بالخارج في دعم الاقتصاد عبر التحويلات الرسمية. نموذج كهذا يتيح إعفاءات نسبية متدرجة، قابلة للتطبيق على مختلف السلع بما فيها الأجهزة الشخصية، ويحول العلاقة بين الدولة والمواطن من علاقة التزام قانوني جامد إلى شراكة وطنية استراتيجية مستدامة.
المغترب المصري، عند تطبيق مثل هذه السياسات، يشعر بأن جهوده وتحويلاته تُقدَّر، مما يعزز شعوره بالانتماء ويستمر في دعم وطنه بطرق متعددة، سواء عبر التحويلات المالية، نقل الخبرات، أو تعزيز الصورة الإيجابية لمصر في الخارج.
الاستثمار في المصري بالخارج لا يقتصر على الأموال فقط، بل يشمل تعزيز الهوية الوطنية والانتماء والثقة المتبادلة بين المواطن والدولة. أي سياسة لا تراعي هذا البعد الاستراتيجي قد تُضعف تأثير المغترب الوطني مهما كانت نواياها حسنة.
لذلك، أصبح من الضروري تبني منظومة متكاملة واضحة ومرنة، تراعي توجيهات القيادة السياسية، وتستثمر المصري بالخارج كركيزة اقتصادية وهوية وطنية في الوقت نفسه. هذه المنظومة يجب أن تُظهر تقديراً حقيقياً لدوره وأن توفر آليات تشجيعية تعزز التحويلات الرسمية وتحافظ على الثقة والانتماء وتحقق عائداً وطنياً مستداماً لا يقتصر على الأرقام بل يمتد ليصل إلى قلب كل مصري مغترب خارج الوطن.
شريك وطني واستراتيجي لتعظيم العائد والانتماء

