ضربة الرأس أم حرب شائعات
كتب ضاحى عمار
في لحظة إقليمية شديدة الاشتعال، تتصاعد عاصفة من التصريحات المتناقضة حول مصير المرشد الإيراني علي خامنئي، بين تأكيدات صادرة عن واشنطن وتل أبيب بمقتله في غارات مشتركة، ونفي إيراني رسمي يؤكد أنه يمارس مهامه بصورة طبيعية. وبين هذا وذاك، يقف المشهد على حافة ارتباك معلوماتي غير مسبوق، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع رهانات السياسة وحرب الأعصاب.
من واشنطن، خرج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بتصريح حاسم عبر منصته تروث سوشال، معلنا مقتل خامنئي وواصفا إياه بأنه من أكثر الشخصيات شرا في التاريخ، من دون أن يقدم أدلة تفصيلية تدعم روايته. وفي تل أبيب، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن مؤشرات قوية على مقتل المرشد، مؤكدا أن ضربات استهدفت مجمعات قيادية وأطاحت بعدد من كبار المسؤولين في الصف الأول، ومشددا على أن العمليات ستتواصل في الأيام المقبلة.
في المقابل، سارع المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إلى التأكيد أن خامنئي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بخير ويتمتعان بصحة جيدة، وأن مؤسسات الدولة تعمل بصورة طبيعية. كما نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مصادر مقربة من مكتب المرشد أنه يقود المشهد بثبات، في رسالة واضحة مفادها أن النظام لا يزال ممسكا بزمام الأمور.
هذا التباين الحاد يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة ما يجري: هل نحن أمام ضربة نوعية غيرت قواعد اللعبة فعلا، أم أمام جولة جديدة من حرب نفسية تستهدف زعزعة الثقة داخل مؤسسات الحكم الإيرانية وإرباك الشارع؟
اللواء يونس السبكي، الخبير الاستراتيجي، يرى أن استهداف رأس النظام ــ إن صح ــ يمثل تحولا نوعيا في قواعد الاشتباك. ويؤكد أن أي عملية من هذا النوع لا يمكن أن تتم من دون معلومات استخباراتية دقيقة وتنسيق عسكري عالي المستوى، مشيرا إلى أن الإعلان المبكر عن مقتل شخصية بحجم خامنئي قد يكون في حد ذاته جزءا من خطة ضغط لإحداث تصدع داخلي حتى قبل حسم المعلومة ميدانيا. ويضيف أن الصمت الإيراني أو الاكتفاء بنفي مقتضب قد يعكس محاولة لشراء الوقت وإعادة ترتيب مراكز القرار.
من جانبها، تعتبر المحللة السياسية مها الشريف، رئيس تيار المستقبل ضد العنف والإرهاب، أن المشهد يتجاوز شخص المرشد إلى اختبار صلابة بنية النظام. وتوضح أن النظام الإيراني قائم على توازنات دقيقة بين المؤسسة الدينية والعسكرية، وأن أي فراغ في موقع المرشد سيضع مجلس خبراء القيادة أمام استحقاق دستوري بالغ الحساسية. وترى أن تداول اسم مجتبى خامنئي في بعض التحليلات يعكس إدراكا مبكرا داخل دوائر القرار لاحتمالات ما بعد الرجل، حتى وإن لم يتأكد خبر مقتله.
سياسيا، يحمل السيناريو الأول، أي ثبوت مقتل المرشد، تداعيات عميقة على الداخل الإيراني وعلى شبكة الحلفاء في الإقليم. فخامنئي منذ توليه المنصب عام 1989 خلفا لآية الله الخميني، شكل مركز الثقل في رسم السياسات الكبرى، من البرنامج النووي إلى إدارة ملفات النفوذ الإقليمي. وغيابه المفاجئ قد يفتح باب صراع مكتوم بين أجنحة متعددة، بعضها أقرب إلى الحرس الثوري وبعضها إلى المؤسسة الدينية التقليدية.
أما السيناريو الثاني، أي بقاء المرشد على قيد الحياة، فيعني أن ما جرى يدخل في إطار حرب الروايات. وهنا يشير اللواء السبكي إلى أن إعلان مقتل قائد رفيع قد يهدف إلى رفع معنويات الداخل الإسرائيلي والأمريكى، وإرسال رسالة ردع قاسية إلى طهران، بينما يسعى الجانب الإيراني إلى إظهار تماسكه وتفنيد ما يصفه بالدعاية المعادية.
في كل الأحوال، تبدو المنطقة أمام مفترق طرق خطير. فإذا تأكدت الرواية الأمريكية الإسرائيلية، فإن الرد الإيراني قد يتخذ أشكالا غير تقليدية، سواء عبر أذرع إقليمية أو من خلال تصعيد مباشر محسوب. وإذا تبين أن الخبر غير دقيق، فإن الثقة في الروايات الرسمية الدولية ستتعرض لاهتزاز جديد، ما يعمق أزمة المصداقية في زمن الحروب المركبة.
بين التأكيد والنفي، يظل مصير خامنئي معلقا بين ضربة رأس محتملة وحرب شائعات شرسة. غير أن المؤكد أن الصراع دخل مرحلة أكثر حدة، وأن الأيام القليلة المقبلة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت المنطقة قد شهدت زلزالا سياسيا فعليا، أم مجرد جولة أخرى في معركة كسر الإرادات.


