طريق العلم ليس مفروشا بالورود
بقلم / محمـــد الدكـــروري
في الحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه وسلم ” شعبان شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان” إشارة إلى أن بعض ما يشتهر فضله من الأزمان أو الأماكن أو الأشخاص قد يكون غيره أفضل منه، وفيه دليل على إستحباب عمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة، كما كان طائفة من السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة ويقولون هي ساعة غفلة، ومثل هذا إستحباب ذكر الله تعالى في السوق لأنه ذكر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة، وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد منها أن يكون أخفى للعمل وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، لا سيما الصيام فإنه سرّ بين العبد وربه، ولهذا قيل إنه ليس فيه رياء، وكان بعض السلف يصوم سنين عددا لا يعلم به أحد، فكان يخرج من بيته إلى السوق ومعه رغيفان فيتصدق بهما ويصوم، فيظن أهله أنه أكلهما ويظن أهل السوق أنه أكل في بيته.
وكان السلف يستحبون لمن صام أن يظهر ما يخفي به صيامه، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال “إذا أصبحتم صياما فأصبحوا مدّهنين” وقال قتادة ” يستحب للصائم أن يدّهن حتى تذهب عنه غبرة الصيام” وكذلك فإن العمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، ومن أسباب أفضلية الأعمال مشقتها على النفوس لأن العمل إذا كثر المشاركون فيه سهل، وإذا كثرت الغفلات شق ذلك على المتيقظين، وعند مسلم من حديث معقل بن يسار “العبادة في الهرج كالهجرة إلي” أي العبادة في زمن الفتنة لأن الناس يتبعون أهواءهم فيكون المتمسك يقوم بعمل شاق، والعلة من وراء كثرة صيامه صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان، وقد إختلف أهل العلم في أسباب كثرة صيامه صلى الله عليه وسلم في شعبان على عدة أقوال وهو أنه كان يشتغل عن صوم الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره.
فتجتمع فيقضيها في شعبان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل بنافلة أثبتها وإذا فاتته قضاها، وقيل إن نساءه كن يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان فكان يصوم لذلك، وهذا عكس ما ورد عن عائشة أنها تؤخر قضاء رمضان إلى شعبان لشغلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم، وقيل لأنه شهر يغفل الناس عنه وهذا هو الأرجح لحديث أسامة السالف الذكر والذي فيه “ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ” رواه النسائي، وأيضا قضاء صيام الفريضة وصيام التطوع في شعبان، حيث كان إذا دخل شعبان وعليه بقية من صيام تطوع لم يصمه قضاه في شعبان حتى يستكمل نوافله بالصوم قبل دخول رمضان، كما كان إذا فاته سنن الصلاة أو قيام الليل قضاه فكانت السيدة عائشة رضي الله عنها حينئذ تغتنم قضاءه لنوافله فتقضي ما عليها من فرض رمضان.
حينئذ لفطرها فيه بالحيض وكانت في غيره من الشهور مشتغلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، واعلموا أنه ينبغي علي طالب العلم الصبر والتحمل، فطريق العلم ليس مفروشا بالورود والرياحين بل إنه يحتاج إلى صبر ويقين وعزيمة لا تلين فالطريق طويل والنفس داعية إلى الملل والسآمة والدعة والراحة فإذا طاوع طالب العلم نفسه قادته إلى الحسرة والندامة، ومن أعظم ميادين الصبر هو الصبر في طلب العلم، فلا سبيل إلى طلب العلم إلا بالصبر، فالصبر يضئ لطالب العلم طريقه وهو زاد لا يستغني عنه وخلق كريم لا بد وأن يتحلى به صبره، على مشقة الترحال إلى الشيوخ وطول المكث عندهم والتأدب معهم وصبره على المذاكرة والتحصيل وفي قصة نبي الله موسى عليه السلام والخضر دار هذا الحوار بين نبي الله موسى وبين الخضر عليهما السلام في طلب العلم.
وكذلك ينبغي على المعلم أن يتحلى بجميل الصبر مع تلاميذه وأن يتسع صدره لأسئلتهم فلا يضيق بهم ذرعا وأن يتحملهم ويحلم بهم ويترفق ويسهّل لهم التحصيل، إقتداء بنبينا ومعلمنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي مدحه ربه بلين القلب ولرحمة.
طريق العلم ليس مفروشا بالورود


