عذراً أيها الظالم.. المسامح ليس كريماً
كتبت داليا فوزى
يُشاع في الموروث الشعبي أن “المسامح كريم”، ولكن هذه العبارة ليست قاعدة مطلقة. فالتسامح قيمة عليا حين يكون نابعاً من قوة واختيار، أما إذا كان نابعاً من عجز عن استرداد الحق، أو يؤدي إلى تمادي الظالم في ظلمه، فإنه يتحول إلى “هوان” لا يمت للكرم بصلة.
الإسلام دين العزة والعدل، وقد شرع القصاص قبل العفو ليضمن استقامة المجتمع. فالتفريط في الحق الذي يشجع المعتدي على تكرار فعلته ليس فضيلة.
يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} (الشورى: 39).
هذه الآية جاءت في سياق المدح؛ فالمؤمن لا يقبل الظلم ، والانتصار للنفس هنا هو ردع للظالم حتى لا يستشري بغيه اى يتمادى ف الظلم .
يفرق الفقهاء بين نوعين من العفو:
* عفو الإصلاح: وهو المندوب إليه، لقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}. شرط هذا العفو أن يؤدي إلى “إصلاح” حال الظالم وندمه.
* عفو الإذلال: إذا كان العفو سيجعل الظالم يزداد طغياناً أو يرى في المسامح فريسة سهلة، فهنا يصبح العفو “غير مشروع” تربوياً، ويصبح أخذ الحق هو الواجب شرعاً لابعاد المعتدي عنه .
الحقوق ليست ملكاً للفرد دائماً، في الفقه الإسلامي، هناك ما يُعرف بـ “حق الله” و “حق العبد”. أحياناً يكون التنازل عن الحق الشخصي سبباً في ضياع أمن المجتمع. فإذا سامح كل مظلوم سارقاً أو معتدياً دون ردع، ضاعت هيبة القانون وانتشرت الفوضى. لذا، المسامح في هذه الحالة قد يشارك “بغير قصد” في تمكين الظلم .
والسؤال هنا.. متى يكون “المسامح” غيركريم؟
الاجابة.. حين يكون الشخص مفرطاً فى التسامح لا كريماً . و تكرار الإساءة، و المسامحة في المرة الثالثة والرابعة لنفس الخطأ ليست كرماً، بل هي دعوة للمعتدي للاستمرار و سحق الكرامة إذا كان ثمن المسامحة هو العيش في ذل أو فقدان الثقة بالنفس و التنازل عن حدود الله و لا يجوز التسامح في أمر فيه تعدٍ على ثوابت الدين أو القيم الأخلاقية للمجتمع.
الكرم الحقيقي هو أن تملك القدرة على العقاب ثم تختار الصفح لمن يستحق، أما ترك الحق ضياعاً وهروباً من المواجهة فهو “تضييع للأمانة”؛ لأن نفسك التي بين جنبيك لها عليك حق، وأول حقوقها ألا تُظلم.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله:كما ورد في كتاب “سير أعلام النبلاء””، و”شعب الإيمان” للبيهقي، وليست حديثاً نبوياً .
“مَنِ استُغضِبَ فلَم يغضب فهو حمار ، ومَنِ استُرضِيَ فلَم يَرضَ فهو شيطان.”
عدم الغضب عند انتهاك الحق ‘هوان’، ورفض الصلح عند الاعتذار ‘طغيان’؛ فبين بلادة الحمار وتكبر الشيطان ، تكمن عزة النفس الإنسانية ورحمتها.”
فالإنسان السوي يغضب لحقه ويحفظه، والمسامحة “فرصة” تُعطى لمن أخطأ سهواً، وليست “حقاً مكتسباً” لمن يتمادى عمداً.
لا تعتذر أيها الظالم ، لا تنتظر من الكريم صفحة جديدة إذا كنت قد ملأت القديمة بسواد طغيانك . فالمسامح حين يدرك أن صَفحه هو “وقود” لظلمك، سيتوقف عن كونه كريماً ليكون “منتصراً”. الكرم هو أن تعفو وأنت قادر على السحق اى القدرة على تدميره ، أما أن تعفو وأنت لا تملك إلا العفو ، فهذا تفريط لا يرضاه الله ولا تقبله الأنفس العزيزة.
عذراً أيها الظالم.. المسامح ليس كريماً


