علاقة الإنفاق بهرمون السعادة .
كتبت : نعمة حسن
حين قال الله: “مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ”… كان يصف دواء القلب قبل أن يكتشفه العالم
العطاء ليس خيارًا أخلاقيًا فقط… بل نظام تطهير داخلي
ليس كل إعجازٍ في القرآن يأتي على هيئة معجزةٍ تُرى بالعين.
بعض الإعجاز يأتي أخطر… وأعمق:
إعجازٌ يُصلح الإنسان من الداخل… قبل أن يفسده العالم من الخارج.
ومن أعجب ما في الوحي—أنه لم يعامل المال كأرقام،
بل عامله كـ تيارٍ نفسي وروحي:
إن توقف… تعفّن.
وإن جرى… طَهُر.
ولهذا لم يكتفِ القرآن بأن يقول: “أعطوا”…
بل جعل الإنفاق علامة من علامات الإيمان:
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾
كأنه يضع قاعدة الحياة النظيفة:
ما دام رزقك يجري منك… سيجري إليك.
العطاء… ليس تفضُّلًا من الغني على الفقير
العطاء في منطق القرآن ليس “منّة”…
بل تطهير.
تطهيرٌ للنفس من أشدّ مرضين يقتلان البشر بصمت:
الخوف… والتعلّق.
فالإنسان حين يحبس المال عنده كأنه نهاية الأمان،
يتحوّل المال إلى “خزان قلق”.
وكلما زاد الخزان… زاد الخوف من الفقد.
وهنا يظهر المعنى الذي لا يراه كثيرون:
المال إذا توقّف في اليد… توقف معه القلب.
تمامًا كالماء:
إذا جرى… كان حياةً وصفاء.
وإذا ركد… صار بيئة فسادٍ وسمّ.
العطاء إذن ليس خسارة…
بل منعٌ للتعفّن الداخلي.
ولذلك جاء القرآن بمنطق الطريق… لا بمنطق اللحظة
القرآن لا يعالج العرض فقط…
بل يعالج النظام النفسي الذي يصنع العرض.
فالذي يعطي باستمرار… يبني داخله شيئًا خطيرًا:
إحساس السيطرة على النفس لا على الناس.
إحساس أنه يملك المال ولا يملكه المال.
وهنا يتولّد الفرق بين قلبين:
قلب يرى المال “حائط أمان” فيرتجف عليه.
وقلب يرى المال “جسر خير” فيطمئن به.
العلم الحديث… اكتشف ما قاله القرآن بلغة أُخرى
في الغرب، أجرى باحثون تجربة صارت مشهورة:
أعطوا فريقًا مبلغًا من المال وقالوا له: اصرفه على نفسك.
وأعطوا فريقًا آخر مبلغًا مماثلًا وقالوا له: اصرفه على غيرك.
ثم قاسوا النتيجة… فوجدوا أن الذين أنفقوا على غيرهم كانوا أكثر سعادة من الذين أنفقوا على أنفسهم .
وجدوا أن هرمون السعادة يرتفع كما أن هرمون الخوف والتوتر ايضاً والاعجاز في القرآن هنا أنه ذكرهم بنفس ترتيب الهرمون .. لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
وهنا تكمن الصدمة:
الإنسان كان يتخيل أن سعادته في الامتلاك…
فإذا بالسعادة الحقيقية يرتفع هرمونها عند البذل.
كأن النفس تقول لك:
“أنا لا أشفى حين آخذ… أنا أشفى حين أعطي.”
وهذا ليس سحرًا… بل فطرة.
“لا خوف عليهم ولا هم يحزنون”… ليست جملة وعظية
هذه العبارة القرآنية ليست مجرد وعدٍ مؤجل.
بل قانون نفسٍ واضح:
الخوف يتغذى على “ماذا لو خسرت؟”
الحزن يتغذى على “لقد فاتني…”
والقرآن يضرب الاثنين بسلاح واحد:
الإنفاق.
الإنفاق يكسّر الخوف لأنك تتدرّب على فكرة:
“أنا أترك شيئًا بإرادتي… فلا يذبحني خوف فقده.”
ويكسّر الحزن لأنك تحوّل المال من “حملٍ ثقيل” إلى “أثرٍ باقٍ”.
فيصير رزقك ذا معنى… لا مجرد تراكم.
لهذا كان من أعظم أبواب الطمأنينة:
أن يتعوّد الإنسان على العطاء… لا على الاكتناز.
الصدقة… ليست إخراج مال… بل إخراج سمّ
الصدقة في عمقها ليست حركة يد.
هي عملية إخراج شيءٍ أخطر من المال:
إخراج عبودية المال من القلب.
وهذا هو السر:
المال لا يُهلك الناس لأنه قليل أو كثير…
بل يهلكهم لأنه يُحَوَّل إلى صنمٍ داخلي.
فإذا تصدقت… أنت لا تنقص.
أنت تتحرر.
“قرضًا حسنًا”… لماذا قال القرآن “قرض”؟ ولماذا “حسنًا”؟
وهنا قمة البلاغة التي تُرعب المتكبرين:
الله لا يحتاج مالك.
ومع ذلك يقول: قرضًا.
القرض في لغة البشر يعني:
مالٌ يعود إليك… مضمونًا.
فكأن الله يطمئن قلبك من أعمق نقطة خوف:
“لن يضيع منك شيء.”
ثم وصفه بـ حسنًا
لأن القرض قد يكون فيه أذى:
قد يقرض الإنسان وهو يتعالى،
أو يجرح،
أو يمنّ،
أو يفضح،
أو يبتز المحتاج.
فقال: “حسنًا”
أي: نقياً… بلا منّة… بلا قسوة… بلا استغلال… بلا خنق للكرامة.
القرض الحسن ليس مالًا فقط…
إنه أخلاق العطاء.
لماذا يشبه العطاء الماء الجاري؟
لأن الماء الجاري لا يفسد.
والمال الجاري لا يفسد القلب.
حين تحبس المال داخلك كأنه نهاية الطريق…
تتسخ الروح بتدريجٍ لا تراه:
جشع ناعم
خوف مزمن
قلق مفاجئ
انقباض دائم
صراع على المزيد
ثم لا “يكفي”… أبدًا.
لكن حين تجعل المال يجري:
صدقة، مساعدة، هدية، ستر محتاج، دفع دين، جبر خاطر…
يتحوّل المال من سجنٍ داخلي إلى معنى.
وهكذا يتحقق قانون عجيب:
حين تجري يدك بالعطاء… يجري قلبك بالسلام.
وهنا اقول :
المال الذي لا يخرج… يُخرج صاحبه من الطمأنينة
وأن أجمل ما في ديننا الحنيف
أنه لا يربي الإنسان على الفقر…
بل يربيه على الحرية.
حرية القلب من عبودية الأشياء.
ولذلك لا تترك المال يركد داخلك.
اجعله مثل الماء الجاري:
يمرُّ… فيُنقّي… فيُحيي… ثم يأتي بعده رزقٌ جديد، لأن الطريق لم يُغلق.
العطاء ليس نقصًا… العطاء تجديد.
وكل من جرّبه بصدق… عرف أن المال حين يُعطيك شعور “الأمان” وحده، قد يخدعك…
لكن حين يُعطيك شعور “المعنى”… فهو يطهرك.
فاللهم نقى قلوبنا .. واغفر لنا .. وارحمنا .. انت مولانا .
علاقة الإنفاق بهرمون السعادة

