بقلم: أ.د. سيد بكري
نائب رئيس جامعة الأزهر لشئون التعليم والطلاب
ليست الأم ذكرى… بل وطن.
وإذا كان للوطن حدودٌ تحميه، فإن للأم قلبًا يحرس أبناءه بلا حدود.
في هذا اليوم، لا نكتب عن الأم بقدر ما نقف أمامها إجلالًا؛ فالكلمات—مهما بلغت—تنحني خجلًا أمام عظمة عطاءٍ لا يُقاس، وتضحياتٍ لا تُحصى. الأم ليست فقط من حملت وليدها تسعة أشهر، بل من حملت همَّه عمرًا كاملًا، وأرضعته حنانًا وانسانية قبل أن تُرضعه لبنًا، وربّته بعينٍ لا تنام وقلبٍ لا يكلّ.
إنها تلك المدرسة التي لا تُخرّج طلابًا فحسب، بل تصنع إنسانًا، وتبني وجدانًا، وتؤسس أمة. ومن هنا، لم يكن قول الحكماء “الأم مدرسة” مجرد عبارة أدبية، بل حقيقة حضارية تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ من حضن الأم، وأن مستقبل الأوطان يُكتب أول ما يُكتب داخل الأسرة.
وفي قلب الأم سرٌّ عجيب… شيءٌ يشبه “الرادار الإلهي”، لا يُرى لكنه لا يُخطئ؛ تشعر بأبنائها قبل أن يتكلموا، وتفهم احتياجاتهم قبل أن يعبّروا عنها. هذه الفطرة النقية ليست مجرد عاطفة، بل هي طاقة رحمة عظيمة، بها تُبنى النفوس السوية، وتُصاغ الشخصيات المتزنة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن الأم ليس حديثًا وجدانيًا فحسب، بل هو حديث عن الأمن القومي، وعن بناء الدولة، وعن صناعة المستقبل. فالدولة التي تسعى لبناء إنسانٍ واعٍ، قويّ، منتمٍ لوطنه، لا بد أن تبدأ من دعم الأم، وتمكينها، وتعزيز دورها التربوي والثقافي.
لقد أدركت الدولة المصرية، بقيادة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن معركة بناء الإنسان هي المعركة الأهم، وأن الجمهورية الجديدة لا تقوم فقط على المشروعات العملاقة، بل على عقلٍ مستنير، ووجدانٍ متوازن، وشخصيةٍ قادرة على العطاء. ومن هنا، جاء الاهتمام الواضح بالأسرة المصرية، وتمكين المرأة، والارتقاء بدور الأم باعتبارها الشريك الأول في صناعة الوعي.
فالأم المصرية لم تكن يومًا عنصرًا هامشيًا في تاريخ الوطن، بل كانت دائمًا في قلب الحدث؛ صانعة الرجال، ومربية الأبطال، وحارسة الهوية، وهي التي حفظت تماسك المجتمع في أوقات الشدائد، وكانت خط الدفاع الأول ضد التطرف والانحراف.
وفي زمن تتسارع فيه التحديات، وتتعدد فيه مصادر التأثير، تزداد الحاجة إلى أم واعية، مثقفة، قادرة على أن توازن بين الأصالة والمعاصرة، وأن تغرس في أبنائها حب العلم، والانتماء، والانضباط، والعمل الجاد. فكل طفل تُحسن تربيته أمٌ واعية، هو مشروع مواطن صالح، وكل مواطن صالح هو لبنة في بناء وطن قوي.
ومن هنا، تنبع أهمية المبادرات التعليمية التي تستهدف إعداد الفتاة الجامعية إعدادًا وطنيًا واعيًا، حيث تبرز فكرة ومشروع صقل الطالبات بدورات التربية الوطنية، ليكتسبن وعيًا عميقًا بقضايا وطنهن وتحدياته، ويُدركن أبعاد المسؤولية المجتمعية الملقاة على عاتقهن. فهؤلاء الطالبات هن أمهات المستقبل، وما يُغرس في وعيهن اليوم، سيُترجم غدًا في تربية أجيالٍ أكثر انتماءً، وأعمق وعيًا، وأقدر على حماية الوطن والمساهمة في بنائه.
وإذا كان الأب هو الاساس في البناء، فإن الأم هي الشريك الذي يقوم عليه هذا البناء؛ شريكة الأب في كل خطوة: في التربية، وفي الصبر، وفي أن تزرع الخُلق قبل الطموح. وكانت ترى في أبنائها ما لا يرونه في أنفسهم، تدفعهم إلى الأمام… ثم تقف خلفهم تحرس ظهورهم.
وحين نُمعن النظر في مسيرة العطاء، ندرك أن أعظم ما يمكن أن يُقدَّم للأم ليس كلماتٍ تُقال في يومٍ واحد، بل سياسات تُنصفها، وثقافة تُعلي من شأنها، ومجتمع يُدرك أن الاستثمار الحقيقي يبدأ منها. فتمكين الأم هو تمكين للوطن، ودعمها هو دعم لمستقبل الأجيال.
كما أن برّ الأم ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل هو طريق موصول بالسماء، وباب رحمة لا يُغلق، ومصدر بركة يمتد أثره في حياة الإنسان وبعد مماته. فالأم لا ينتهي عطاؤها برحيلها، بل يبقى دعاؤها، وأثرها، وقيمها التي غرستها في نفوس أبنائها.
وفي خضم زحام الحياة، قد ننسى كثيرًا، لكننا لا ننسى أبدًا تلك اليد التي أمسكت بأيدينا ونحن نخطو أولى خطواتنا، ولا ذلك الصوت الذي سبقنا إلى الدعاء، ولا ذلك القلب الذي كان يقرأ وجوهنا قبل أن ننطق.
وفي الختام، تبقى الحقيقة التي لا تقبل الجدل:
أن كل إنجازٍ عظيم، وكل عقلٍ مستنير، وكل وطنٍ قوي… تقف خلفه أم عظيمة.


