كتب ضاحى عمار
لم تعد المعركة تدور على أطراف الجغرافيا أو في حسابات الردود التقليدية، بل انتقلت إلى عمق المنشآت الأكثر حساسية، حيث دوّت انفجارات عنيفة داخل مجمع البتروكيماويات في خليج حيفا، في مشهد يعكس تحولًا نوعيًا في مسار المواجهة، ويكشف عن قدرة على الوصول إلى مراكز الثقل الاقتصادي والصناعي.
اللحظات الأولى بعد الضربة بدت كفيلة بإرباك المشهد بالكامل؛ فقد غرقت مناطق واسعة في الظلام عقب انقطاع شامل للتيار الكهربائي، وهو ما فتح الباب أمام تقديرات تشير إلى إصابة مباشرة أو غير مباشرة لمنظومة الطاقة المرتبطة بالمجمع. هذا الانقطاع لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل مؤشرًا على حجم التأثير الذي طال بنية تحتية شديدة الحساسية.
ومع تصاعد الدخان، برز خطر آخر أكثر تعقيدًا، تمثل في احتمالات تسرب مواد كيميائية خطرة، ما دفع الجهات المختصة إلى إطلاق تحذيرات عاجلة للسكان بضرورة البقاء داخل المنازل وإحكام إغلاق النوافذ. حالة القلق لم تأتِ من فراغ، إذ إن طبيعة المنشأة المستهدفة تجعل أي خلل فيها مرشحًا للتحول إلى أزمة بيئية ممتدة، تتجاوز حدود الموقع إلى نطاق أوسع.
في البورصة، كان الصدى سريعًا وحادًا. أسهم شركة “بازان”، المسؤولة عن تشغيل مصافي التكرير في المنطقة، تلقت ضربة مباشرة مع تراجع ملحوظ في قيمتها السوقية، في انعكاس واضح لحساسية القطاع النفطي تجاه أي اضطراب مفاجئ. ويشير اقتصاديون إلى أن استهداف هذا النوع من المنشآت لا يهدد الإنتاج فحسب، بل يفتح الباب أمام خسائر متراكمة قد تمتد آثارها لفترات طويلة.
ويرى مراقبون أن ما جرى يحمل دلالة تتجاوز الحدث ذاته، إذ يعكس انتقالًا محسوبًا نحو ما يمكن وصفه بـ”ضرب المفاصل الحيوية”، حيث تصبح البنية الاقتصادية جزءًا من معادلة الردع. هذا النمط من العمليات يفرض واقعًا جديدًا، تتداخل فيه الجبهة الداخلية مع حسابات المواجهة، ويجعل من كل منشأة استراتيجية نقطة ارتكاز في ميزان القوة.
خبراء عسكريون يذهبون إلى أن الرسالة الأبرز تكمن في القدرة على إحداث تأثير مركب، يجمع بين التعطيل الميداني والضغط الاقتصادي والقلق المجتمعي، وهو ما يعيد تشكيل قواعد الاشتباك بشكل تدريجي. وفي المقابل، يحذر مختصون في السلامة الصناعية من أن استمرار استهداف منشآت الطاقة قد يرفع من احتمالات وقوع كوارث بيئية، خاصة في ظل تعقيد الأنظمة المرتبطة بها.
من هذا المنطلق، تكشف تطورات حيفا عن مرحلة جديدة عنوانها استهداف العمق الحيوي، حيث لم تعد المواجهة تقاس بعدد الضربات، بل بمدى تأثيرها على مفاصل الدولة. وبينما تتصاعد التوترات، يبقى هذا المشهد شاهدًا على أن موازين القوة لم تعد ثابتة، وأن القدرة على الوصول إلى النقاط الأكثر حساسية باتت عنصرًا حاسمًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.


