كاري بولر ومعاداة السامية عاصفة واشنطن
ضاحى عمار
تفجّرت موجة جدل واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية فى الولايات المتحدة عقب جلسة استماع رسمية عُقدت فى واشنطن لمناقشة تصاعد حوادث معاداة السامية، بعدما خرجت مفوضة بلجنة الحريات الدينية بالبيت الأبيض، كاري بريغان بولر، عن السياق التقليدى للخطاب السائد، وطرحت تساؤلات مباشرة حول حدود الخلط بين انتقاد إسرائيل واتهامات معاداة السامية، ووصفت ما يجرى فى غزة بأنه «إبادة»، فى تعبير غير مسبوق يصدر عن مسؤولة تشغل موقعا رسميا داخل مؤسسة اتحادية.
الجلسة التى كان يُفترض أن تناقش سبل مواجهة خطاب الكراهية ضد اليهود داخل المجتمع أمريكى، تحولت إلى ساحة سجال سياسى وفكرى مفتوح بشأن تعريف معاداة السامية ذاته، وحدود حرية التعبير حين يتعلق الأمر بإسرائيل. فالمفوضة لم تكتفِ بطرح أسئلة تقليدية، وإنما واجهت الشهود المؤيدين لإسرائيل باستفسارات صريحة: هل يُعد انتقاد السياسات الإسرائيلية، أو معارضة الصهيونية، أو الاحتجاج على الحرب فى غزة، شكلا تلقائيا من أشكال معاداة السامية؟ سؤال بدا فى ظاهره إجرائيا، لكنه فى مضمونه يمس واحدة من أكثر القضايا حساسية فى الحياة السياسية أمريكى.
وتصاعد التوتر داخل القاعة حين استخدمت بولر وصف «الإبادة» للإشارة إلى ما يحدث فى غزة، مطالبة المتحدثين المؤيدين لإسرائيل بإدانة سلوكها بوضوح. هذا الطرح اعتُبر من جانب بعض الحضور خروجا على الخطاب الرسمى المعتاد، بينما رآه آخرون محاولة لفتح نقاش ظل مؤجلا لسنوات داخل المؤسسات الاتحادية.
ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، إذ دافعت المفوضة عن الناشطة السياسية كانديس أوينز، مطالبة بعدم وصمها بمعاداة السامية لمجرد انتقادها لإسرائيل. وأكدت أن عدم تأييد الصهيونية لا يعنى بالضرورة تبنى خطاب معادٍ لليهود، وهو موقف أثار اعتراضات فورية من شخصيات ومنظمات داعمة لإسرائيل اعتبرت أن هذا الفصل يفتح الباب أمام تبرير خطابات عدائية.
وفى سياق النقاش، طرحت بولر إشارة إلى نص دينى وارد فى إحدى رسائل العهد الجديد، متسائلة عما إذا كان الاستشهاد به يمكن أن يُعد معاداة للسامية وفقا لبعض التعريفات المعتمدة دوليا. كما سألت أحد القساوسة عما إذا كان القول بأن اليهود والرومان شاركوا فى قتل المسيح يُصنّف باعتباره خطاب كراهية. الردود التى تلقتها عكست انقساما واضحا بين من يرى أن النصوص الدينية يجب ألا تُخضع لاعتبارات سياسية، ومن يعتبر أن توظيفها فى سياق معاصر قد يؤجج حساسيات تاريخية خطيرة.
ردود الفعل لم تتأخر. شخصيات بارزة وجماعات ضغط معروفة سارعت إلى مهاجمة المفوضة، مطالبة بإقالتها من منصبها، واعتبرت أن تصريحاتها تمثل تجاوزا للخطوط الحمراء، بل وتشجع – بحسب تعبير بعضهم – خطابا معاديا لإسرائيل تحت مظلة حرية التعبير. إحدى الصحف الإسرائيلية البارزة شنت هجوما مباشرا عليها، واتهمتها بتبنى مواقف نابعة من خلفيتها الدينية، وبأنها لا تدعم الصهيونية، وهو ما اعتبرته الصحيفة انحيازا أيديولوجيا ينعكس على أدائها الرسمى.
فى المقابل، تمسكت بولر بموقفها عبر تصريحات لاحقة، مؤكدة أنها سعت إلى دعوة أصوات يهودية أمريكية ناقدة لسياسات إسرائيل، إضافة إلى ممثلين عن منظمات مسيحية مؤيدة للحقوق الفلسطينية، غير أن تلك الترشيحات – بحسب قولها – لم يتم اعتمادها. كما نشرت صورة لها وخلفها علم فلسطين، معتبرة أن الدفاع عن حرية الدين يقتضى إتاحة المجال لتعايش المسلمين والمسيحيين واليهود دون احتكار تعريف معاداة السامية لخدمة أجندة سياسية.
اللافت أن الجدل لم يقتصر على مضمون التصريحات، بل امتد إلى دلالاتها السياسية. فبولر لم تأتِ من تيار معارض تقليديا لإسرائيل، بل عُيّنت بقرار تنفيذى ضمن لجنة تضم ثلاثة عشر مفوضا تنتهى ولايتهم فى منتصف عام 2026. صدور هذا الخطاب من داخل لجنة رسمية، وعلى لسان شخصية محسوبة على التيار المحافظ، فتح الباب أمام تساؤلات أعمق بشأن مدى صلابة الإجماع التقليدى داخل واشنطن تجاه إسرائيل، وحول ما إذا كانت حرب غزة بدأت تُحدث تحولات – ولو محدودة – فى بنية هذا الإجماع.
يرى مراقبون أن ما جرى يكشف عن صراع يتجاوز شخص المفوضة إلى معركة أوسع حول تعريف معاداة السامية نفسه. فهناك اتجاه يدفع نحو ربط أى انتقاد حاد لإسرائيل أو للصهيونية بمفهوم الكراهية الدينية، بينما يطالب اتجاه آخر بالفصل بين الهوية الدينية اليهودية وبين سياسات دولة بعينها. وبين هذين المسارين، تبدو المؤسسات أمريكى أمام اختبار دقيق يتعلق بقدرتها على استيعاب التعددية الفكرية دون التفريط فى مكافحة الكراهية الحقيقية.
كما أن توقيت الواقعة يمنحها ثقلا إضافيا. فالحرب فى غزة خلقت حالة استقطاب غير مسبوقة داخل المجتمع أمريكى، انعكست فى الجامعات ووسائل الإعلام والكونجرس، ووصلت أصداؤها إلى داخل لجان رسمية يفترض أنها معنية بحماية الحريات الدينية لا بإدارة نزاعات السياسة الخارجية. هذا التداخل بين الداخلى والخارجى يعكس طبيعة المرحلة التى تمر بها الولايات المتحدة، حيث لم يعد الدعم لإسرائيل ملفا خارجيا خالصا، بل أصبح جزءا من نقاش الهوية والقيم وحرية التعبير.
خصوم بولر يسعون إلى احتواء الموقف عبر ضغوط سياسية وإعلامية، معتبرين أن بقاءها فى موقعها قد يُفهم باعتباره تراجعا عن التزام تقليدى بحماية إسرائيل من أى خطاب يُنظر إليه كتهديد معنوى. فى المقابل، يرى مؤيدوها أن إقالتها ستبعث برسالة مفادها أن أى محاولة لفتح نقاش حول تعريف معاداة السامية أو نقد السياسات الإسرائيلية مصيرها الإقصاء.
فى المحصلة، لا تبدو القضية مجرد عاصفة عابرة أثارتها تصريحات فردية، بل مؤشر على تحولات أعمق تشهدها الساحة أمريكى. فحين يخرج الجدل من ساحات الاحتجاج الشعبى إلى قاعات اللجان الرسمية، فإن ذلك يعكس تغيرا فى طبيعة الأسئلة المطروحة داخل النظام السياسى ذاته. وبين دعوات الإقالة ومحاولات الدفاع، يبقى السؤال مفتوحا حول ما إذا كان هذا الشرخ سيظل محدودا أم سيتسع مع استمرار الحرب فى غزة وتزايد الضغوط الداخلية، فى مشهد يعيد رسم حدود الخطاب المسموح به داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات تأثيرا فى العالم.
كاري بولر ومعاداة السامية عاصفة واشنطن


