لحظة الحقيقة الصامتة
بقلم/نشأت البسيوني
في عمق كل انسان هناك لحظة لا يلاحظها أحد لحظة يكتشف فيها أنه لم يعد قادرا على التظاهر لم يعد قادرًا على إخفاء ما يشعر به لم يعد قادرًا على الهروب من ذاته هذه اللحظة الصامتة تظهر فجأة وسط صخب الحياة وسط الضحك وسط الحوارات والمشاغل وكأن العالم كله يتوقف للحظة ليتيح للروح أن تقول كلمتها ويتيح للقلب أن يصرخ بصمت ويتيح للعقل أن يرى ما لم يره من قبل وفي هذه
اللحظة يواجه الانسان نفسه بكل ما فيها من ضعف وقوة خوف وشجاعة حلم وخيبة ويتعلم أن الحقيقة ليست ما يراه الناس بل ما يشعر به الإنسان حقا أن القوة ليست في التحكم في الآخرين بل في السيطرة على النفس أن الحرية ليست في المكان الذي تعيش فيه بل في المساحة التي تمنحها لروحك أن تتنفس وأن الحب ليس ما يقال بصوت عال بل ما يعطى بلا مقابل وما يحافظ عليه رغم
كل الصعاب وأن الفقد ليس نهاية بل فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وإعادة اكتشاف ما يستحق الاحتفاظ به وما يجب التخلي عنه وأن السقوط ليس هزيمة بل بداية جديدة إذا عرف الانسان كيف يقوم وإذا عرف كيف يسير من جديد دون أن يتخلى عن ذاته أو عن أحلامه وكل لحظة صامتة من هذه اللحظات تبني داخله جسرا بين ما كان عليه وما يريد أن يصبحه وتعلمه الصبر والهدوء والوعي
وتجعله أكثر قدرة على تقدير قيمته أكثر قدرة على حماية قلبه أكثر قدرة على فهم الناس من حوله وأكثر قدرة على السير في طريقه رغم كل الضوضاء والعقبات والعواصف ومع كل لحظة حقيقة صامتة يصبح الانسان أقوى وأكثر عمقا وأكثر نضجا وأكثر استعدادا لأن يعيش حياته بلا خوف وأن يواجه نفسه بلا كذب وأن يختار ما يستحقه دون تردد وأن يعطي نفسه حقها في السعادة والطمأنينة
وأن يعرف أن العالم مهما بدا صاخبا فهو مكان يمكن أن يكون فيه هادئا إذا تعلم كيف يستمع للحظة الحقيقة الصامتة التي تختبئ داخله دائما والتي تنتظر فقط أن يدركها ليكتشف أن داخله أوسع وأعمق وأقوى مما ظن
لحظة الحقيقة الصامتة


