مصطفى محمد كبار
و إني قد بلغتُ الثرى حينما فارقني
وجعٌ تهدمَ بالقلبِ حتى بلغَ ثراهُ
فراحَ الألمُ يعصرني بين ضلوعي
و إني إن كنتُ لا ألقاهُ فألقاهُ
كأنَ الذي راحَ بالعمرِ فلا يعرفني
بالغيبِ قد تنحى بعتمهِ و مالَ بنواياهُ
فعلى البقايا من أثرٍ زلَ يباعدني
كالريحِ بعصفِ الأماني شدني بِخُطاهُ
بقفرِ الكنايا كانت لي تباريحُ هلاكٍ
دمعٌ لا يفارقُ من المأساةِ بشكواهُ
ليتهُ كانَ يعلمُ بأني متيمٌ بغرامهِ ألفاً
عشقٌ كعشقِ الأنبياءِ و ربما كانَ أعلاهُ
يا أيها الراحلُ من لونَ دمي بأزلٍ
كيفَ تهدني و طولُ العمرِ بعمركَ بناهُ
قد تواعدنا لأن نبقى معاً أنا و هو
نسلو بطيبُ السنينِ رفعاً بالعمرِ بِجناهُ
هيهاتٌ للذي أمطرَ كوكبي بحزنِ مرهِ
. فأزاحَ من الدهرِ كلَ راحتي بطولِ مداهُ
و كلما مرَ طيفهّ بذاكرتي أحرقني
كجمراتٍ تستلهبُ إذا عدتُ بذكراهُ
فضرني على بابُ اليأسِ بكلِ شغبٍ
كطفلٍ ينازعُ الجراحَ بكربِ جرحَاهُ
و ظني قدراً كنتُ سأحملهُ بالأيامِ
كالسرابِ غدا هارباً بثملِ سِكراهُ
فأبرحتني الرماحُ بطعونها و إنما
بألفِ طعنٍ راحَ يستريحُ بخباياهُ
للآن مازالَ في القلبِ يبيتُ بملامحهِ
يجهدُ مبتسماً بصورٍ تعيدني لمراياهُ
و القلبُ ليسَ لهُ راحٌ بعناقُ المنايا
كفرٌ بلذتهِ يبشرني و كفرٌ بخطاياهُ
فأشكو من لوعةُ الفؤادِ بمرِ ونسٍ
أدنو في هلاكٍ كالغريقِ ببحرِ مناياهُ
يجاهرني الشوقُ إليهِ و يقسُ بوحشةٍ
فأرسو بالغيابِ وجعاً بأيامِ ذِكراهُ
فهذا الأرقُ كيفَ أردُهُ و اللهفةُ ذابحةٌ
بالروحِ كربٌ يعاشرني جرحٌ قد بناهُ
يا من هدني بلوعتهِ بنارُ الرحيلِ
كيفَ تنسى و غرامكَ يحرقُ سجاياهُ
بذمةِ القيامةِ لي نكبات قد تفرعتْ
سحاباً جرتْ بكلِ دروبيَ بغبارِ عَراهُ
بالأمسِ كانَ الفجرُ يطلُ نوراً ببقايانا
و اليومُ أُدمى كالنحيفُ البلايا وراهُ
و حينما جئتُ لأعبدهُ دونَ آلهتي
فغدا كافراً الذي كنتُ كالآلهِ أهواهُ
تباعدَ و هو بالقلبِ روحاً كان مسكنهُ
فدارَ اليومُ عني شريداّ بشرِ نكاياهُ
كم من السنينٍ رحتُ أشقُها بهامتي
حتى لزمتُ فاجعتي ندماً أرنو بضراهُ
كأني نكستُ الدنيا يوما جئتُ أُكبرهُ
غدا كالعنةِ يقبرُ بالزمانِ عمراً بمزاياهُ
حملتُ منهُ جِراحاتٍ دامتْ تذبحني
و أنا الذي بدنيتي لم أعشقْ سواهُ
فيا أيها العابرُ بوجعِ الفراقِ فراقُ
مالكَ تبلي بالقلبِ أرقٌ فوقَ ما بلاهُ
و كأني حينما أدعو لجرحي أُزعجهُ
أحمقٌ قدري فلا أدري كيفَ هواهُ
كفرٌ يباركهُ و ملئُ الأحقادِ يثقلني
كالحجرِ عدمُ بمكاني يشلني فإني الآهُ
أُنادي منذُ ألفٍ و هو يديرُ بوجههِ
سرابٌ يصبحُ صراخي و يُفنى بصداهُ
و كأني حين ورثتُ منهُ مهادمي
أغديتُ بالبلاءِ ساقطاً بِثملِ خمراهُ
فمالكَ تهزي بالكفنِ يا أيها الجرحُ
كأنكَ رضيتَ بالألمِ لتشحفَ مني دناياهُ
كالضريرِ قد صرتُ معكَ لبابُ الموتِ
فكيفَ ترهقُ روحاً بطعنكَ و أنتَ غلاهُ
و إني قد أضرحتُ بكلَ أيامي سقماً
عتمٌ بظلامُ الليالي ينهالُ من كَناياهُ
فمالي و كأني على وجهُ الأرضِ ثقلٌ
مالي أزحفُ بقلبيَ خاسراً لمن رماهُ
حتى ضحى الوهنُ يباركني دهراً
جرحٌ غدا بالشركُ يهوى من بهِ رواهُ
رماني كطائرٍ مذبوح بالمواجعِ و أبلى
بكؤوسٍ تسقطُ بخمرها من ديارِ فناياهُ
فذاقني الويلُ و مضى بمر لوعتهِ
رسى بالهمِ كالقرابينِ و الكسرُ معناهُ
و إني لم أهدرُ بوقتُ الأيامِ ببكاءٍ
إلا و كانَ الحزنُ سببَ الكفرِ ببلواهُ
قد أضنى الحلمُ في الردى منكسراً
و دامَ الحجبُ يظلمُ بالروحِ بما أجراهُ
فاليسَ لديني خجلٌ لو أنهُ أنصفني
فهذا الكفرُ و هذا السقامُ الذي سَقاهُ
فأي دينٍ للحبيبِ حينما هاجرني
يهجرني بلا عذرٍ و بالروح قد أفناهُ
فأضوعُ بين ظُلماتِ الليالي في التيهِ
و هو براحُ الحلمِ قاتلٌ ينامُ بجفناهُ
علتي منقصةٌ مهما يُحكى للعابرينَ
و حزني مقلدٌ بالشركِ البليغِ فما عساهُ
غريقٌ بدمعهِ أنا كلما زارني كابوساً
فأشقى بالقلبِ حائراً كيفَ النارُ شواهُ
أنالُ من جفى الفؤادِ ضيمٌ قد دعا
فما يبقيهِ بالوداعِ حَرانٌ من حكَاياهُ
و كإنَ لخافقي المغلوبِ نكساتُ رهبٍ
حتى استوى الحزنُ يعتلي ألماً بِمرسَاهُ
فهاكَ اليدينِ تحملني كبيضُ رايتي
تشفعُ بالبقاءِ و ذو البقاءِ يشقى بخلاهُ
و أعدُ بالليالي ضجراً كأنها عادتْ
تعصفُ بأحوالي راحلةً بموسمِ جَفاهُ
فهل تراني بصلاة الحرفِ كم أُعددها
و أدينُ بالكدرِ اللعينِ بضحايا عِدَاهُ
مالهُ يبرحني ذاك الألمُ شريداً و يطولُ
فالعمري تنعى و الجرحُ يحملُ بكفْناهُ
بسرابِ الهوى دارتْ هامتي منقلبةٌ
و العينُ من الدمعِ بحوراً و قد جناهُ
تلكَ الحكايا ما دارتْ لتهدنا فراقاً
و لا الحنايا تبرئتْ بوصلنا يومَ ضحاهُ
حافياً رحتُ للقياهُ أشتهي بكلِ وصلٍ
و كلماسعيتُ ورائهُ هدَ بدربيَ بمسعاهُ
فيا أيها العمرُ مالكَ تمضي جارحاً
فتراني أشقى بالوتينِ و هو من نداهُ
عبثٌ ما قد شدني لضياعي ورائهُ
فكيفَ أردهُ لذاتي و النفسُ قد نعَاهُ
فرحتُ أشحذُ منهُ ما دارني بصبابتي
قد كنتُ ألقاهُ لم يعدْ ينفعُ اليومُ ألقاهُ
و أقومُ من بعدِ الخسرِ أحرقُ بحسراتٍ
و الحبيبُ بالطعنِ مازالَ السكينُ بيدَاهُ
فمالي أشيبُ بالوجعِ بدربُ الإنتظارِ
مالي أرمي بالروحِ حجراً كي أراهُ
فدع النسيانِ يصلبني يا أيها الجرحُ
و إكفر بذاك القلبُ الذي بكَ رماهُ
أكانَ جرحي جسراً فعدني ماشياً
أم أن موتي أبرحني بالوغى و نجَاهُ
فيا قاتلي هل أشبعتَ بشركَ كسرتي
ام بقتلي عانيتهُ و مثلي مضيتَ بعماهُ
فإني أراكَ و قد بعتَ نهديكَ للغريبِ
فمالكَ برخصٍ الجسدِ تسعى بعلاهُ
مازلتُ أسألُ الغرباءُ في بلاءٍ و ما
كنتُ أحسبُ من سكنَ القلبُ قد جزاهُ
فكم هانتْ عليهِ عشرةُ الأيامِ برخصٍ
فأنا الضريمُ مازلتُ أحتفُ بجوارِ بقاياهُ
فأمدُ بذراعيَ للسماءِ أكفرُ غِيابهُ
أتضرعُ بوجعُ الرحيلِ مراً و ما احتواهُ
كأنهُ جفني حجرٌ يسدُ دربَ المنامِ
و العمرُ بكربُ الأيامِ غريقٌ في بكاهُ
فكيفَ تعدني راسباً كالأمواتِ ياقاتلي
كانكَ نشئتَ من جرحيَ تدنو بشذاهُ
ها هو الصبحُ قد غدا راجياً دونكَ
فكم ضلني برحيلكَ قلبي و كم أضناهُ
فالقد أوفيتَ زمنُ الطيبِ بداءُ الهجرانِ
غريباً فما أشقى هجرانكَ و ما أقسَاهُ
و تراني بإني ما ذكرتهُ يوماً إلا وجعاً
فحسبي من الأحزانِ فمازلتُ أهواهُ
ذاكَ البعيدُ عني مالهُ يذكرني بالحنين
فكيفَ لأحملُ بزمني إليهِ قرباً و ألقاهُ
فأرسو بأحضان الموتِ مبتسماً فلا
عيشٌ يسكنني بعدهُ و لا حياةٌ بلاهُ
فلا أغضُ عنهُ ناظري و أنسى
فمن يسكنُ الروح كيفَ لي أن أنسَاهُ
و لستُ أخشى من اللعناتِ و إن طالتْ
لكن على عمرٍ كلما تعافى القدرُ قضاهُ
مصطفى محمد كبار
ابن حنيفة العفريني ✍🏼
حلب سوريا ……. ٢٨ / ٣ / ٢٠٢٦


