” ما نشستر ” تحتضن ملتقى الكرامة الثاني في أكبر حشد وطني للسودانيين بالخارج
متابعة : وائل عباس
احتضنت مدينة مانشستر بالمملكة المتحدة فعاليات ملتقى الكرامة الثاني لتجمع السودانيين بالخارج (صدى) ، في حدث وطني بارز شكل محطة مفصلية في مسار العمل الوطني للسودانيين في المهجر ، بمشاركة واسعة تجاوزت خمسمائة شخصية من قيادات العمل العام والوطني والإنساني والإعلامي، قدموا من مختلف دول أوروبا وعدد من دول العالم، في حضور عكس حجم التحديات التي تواجه السودان، وأبرز في الوقت ذاته درجة التماسك الوطني بين أبناء الجاليات السودانية بالخارج.
وجاء انعقاد الملتقى في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها الدولة السودانية، حيث ركزت أعماله على مناقشة التطورات السياسية والعسكرية والإنسانية التي يشهدها السودان، مع التأكيد على دعم مؤسسات الدولة السودانية، والتصدي لانتهاكات المليشيات المسلحة التي تهدد وحدة البلاد واستقرارها وأمنها القومي.
وقد اتسم الملتقى بطابع وطني ودولي متوازن، حيث شاركت فيه شخصيات سياسية وفكرية وأكاديمية بارزة، في مقدمتهم البروفيسور الجزولي دفع الله، رئيس الوزراء السوداني الأسبق، إلى جانب البروفيسور مصطفى نواري، والدكتور يعقوب الدموكي، الذين قدموا جلسة متخصصة تناولت الانتهاكات التي ارتكبتها مليشيا الجنجويد، مستعرضين تقارير موثقة وشهادات إنسانية حول آثار تلك الانتهاكات على المدنيين والبنية المجتمعية والاقتصادية في السودان، مع تسليط الضوء على الأبعاد القانونية والحقوقية لتلك الجرائم.
وشهدت جلسات الملتقى كذلك مشاركة دولية متميزة، حيث حضر رئيس الجالية المصرية بالخارج، ورئيس الجالية التونسية بالخارج، في تأكيد واضح على التضامن الإقليمي مع الشعب السوداني، إلى جانب مشاركة الصحفية الأمريكية المستقلة كارا جوي، التي تناولت من خلال مداخلتها الأبعاد الإعلامية الدولية للأزمة السودانية، كما شاركت الدكتورة عائشة باشا ممثلة الاتحاد الأوروبي، مقدمة رؤية حول دور المؤسسات الأوروبية في التعامل مع القضايا الإنسانية المرتبطة بالنزاعات، إضافة إلى مشاركة الناشطة الحقوقية الألمانية مارين بوكر المرتبطة بعدد من المنظمات الدولية، والتي قدمت عرضًا تناول الجهود الحقوقية الدولية في توثيق الانتهاكات ومتابعة قضايا حقوق الإنسان في مناطق النزاعات.
وعكس الملتقى حجم الاصطفاف الوطني للسودانيين بالخارج، من خلال المشاركة الفاعلة لعدد من الكيانات الوطنية والمجتمعية التي لبّت الدعوة وأسهمت في إنجاح فعالياته، حيث شاركت مبادرة سودانيات من أجل الوطن بصفتها شريكًا استراتيجيًا للتجمع، إلى جانب تنسيقية القوى الوطنية، والجبهة الشعبية لنصرة القوات المسلحة، والمقاومة الشعبية السودانية بالخارج، ومجموعة دعم القوات المسلحة معنويًا بهولندا، وهي كيانات لعبت دورًا محوريًا في دعم الجهد الوطني والإعلامي والإنساني خلال المرحلة الماضية.
كما شهد الملتقى مشاركة عدد من الجاليات السودانية النشطة في أوروبا، من بينها الجالية السودانية بمدينة برايتون، والجالية السودانية بشمال لندن، والجالية السودانية بمدينة نيوكاسل، والجالية السودانية بجمهورية أيرلندا، إضافة إلى مشاركة مهنية نوعية من نقابة الأطباء السودانيين بأيرلندا، التي قدمت رؤى تفصيلية حول الأوضاع الصحية والإنسانية في السودان، وأبرزت الدور الذي يمكن أن تلعبه الكفاءات الطبية السودانية بالخارج في دعم الجهود الوطنية والإغاثية.
وفي سياق مناقشة مستقبل المشهد السياسي السوداني، احتضن الملتقى ندوة سياسية موسعة شارك فيها عدد من أبرز المحللين والكتاب السودانيين، حيث قدم الدكتور صلاح البندر قراءة تحليلية للتطورات السياسية والإقليمية المرتبطة بالأزمة السودانية، فيما تناول الدكتور مزمل أبوالقاسم الأبعاد الإعلامية للصراع وتأثيره على تشكيل الرأي العام، بينما ركز الأستاذ عادل الباز على مسارات التحول السياسي وإمكانية بناء توافق وطني شامل خلال المرحلة المقبلة.
وخرج الملتقى بعدد من التوصيات الاستراتيجية التي أكدت على أهمية دعم القوات المسلحة السودانية باعتبارها مؤسسة وطنية دستورية تضطلع بحماية سيادة البلاد ووحدتها الترابية، كما شددت التوصيات على ضرورة توحيد صفوف السودانيين بالخارج وتجاوز الانقسامات السياسية والجهوية، والعمل بروح وطنية جامعة تسهم في تعزيز الحضور الدولي للقضية السودانية وكشف طبيعة التدخلات الخارجية التي تستهدف استقرار البلاد.
كما أوصت مخرجات المؤتمر بضرورة دعم جهود السلام الوطني بإرادة سودانية خالصة، وتعزيز دور الجاليات السودانية في العمل الإنساني والإغاثي، والمساهمة في إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية المستدامة، إضافة إلى الاهتمام بالأجيال الجديدة من السودانيين بالخارج وربطهم بالهوية الوطنية والثقافة السودانية.
وعلى هامش الملتقى، انعقدت الجمعية العامة واجتماع مجلس الشورى لتجمع السودانيين بالخارج، حيث أجمعت المؤسستان على تجديد الثقة في المهندس أبوبكر شبو رئيسًا للتجمع لدورة تنظيمية جديدة، تقديرًا لدوره في توحيد السودانيين بالخارج وتعزيز حضورهم الوطني والإعلامي والإنساني، إلى جانب قيادته لعدد من المبادرات التي دعمت السودان خلال المرحلة الراهنة.
وأكد المشاركون أن استمرار القيادة الحالية يمثل عامل استقرار تنظيمي يعزز قدرة التجمع على تنفيذ مخرجات المؤتمر وتحويلها إلى برامج عمل واقعية، بما يسهم في دعم السودان سياسيًا وإنسانيًا وإعلاميًا خلال المرحلة المقبلة.
واختتم الملتقى أعماله برسائل وطنية أكدت أهمية الاصطفاف خلف وحدة السودان وسيادته، والعمل المشترك من أجل تحقيق الاستقرار وبناء دولة سودانية قوية قائمة على العدالة وسيادة القانون، مع التأكيد على مواصلة العمل الوطني المسؤول الذي يعبّر عن تطلعات السودانيين في الداخل والخارج.
ويمثل ملتقى الكرامة الثاني، بحسب مراقبين، محطة فارقة في مسار العمل الوطني للسودانيين بالخارج، ورسالة واضحة تعكس استعداد الجاليات السودانية في المهجر للقيام بدور محوري في دعم وطنهم خلال هذه المرحلة التاريخية الحساسة.
