الرئيسيةمقالاتمصر وتوازن النار في الشرق الأوسط: من زمن الحروب إلى زمن صناعة الاستقرار
مقالات

مصر وتوازن النار في الشرق الأوسط: من زمن الحروب إلى زمن صناعة الاستقرار

مصر وتوازن النار في الشرق الأوسط: من زمن الحروب إلى زمن صناعة الاستقرار

بقلم مرزوق يواقيم 

 

 

في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، يقف الشرق الأوسط على حافة مرحلة جديدة، مرحلة لم تعد فيها الحروب مجرد صراع حدودي أو نزاع سياسي عابر، بل مشروع إعادة تشكيل كامل للمنطقة. صراعات ممتدة، جبهات مشتعلة، وتحالفات تتغير بسرعة غير مسبوقة، بينما الشعوب تدفع الثمن الأكبر من أمنها واقتصادها ومستقبل أجيالها.

وسط هذا المشهد المضطرب، يبرز سؤال مصيري: من يملك القدرة على إيقاف دائرة النار؟ ومن يستطيع إعادة التوازن قبل أن تتحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة بلا نهاية؟

الإجابة الواقعية تشير إلى دولة واحدة تمتلك عناصر التوازن التاريخي والجغرافي والسياسي… إنها مصر.

لم تكن مصر يومًا دولة تبحث عن الحروب، بل دولة تصنع المعادلات. فالتاريخ يؤكد أن القاهرة عندما تكون قوية ومستقرة، تميل المنطقة نحو التهدئة، وعندما تضعف، تنفتح أبواب الفوضى على مصراعيها. لذلك لم يكن الدور المصري عبر العقود دور المقاتل فقط، بل دور الميزان الذي يمنع سقوط الكفة بالكامل.

اليوم تدرك القيادة المصرية أن أخطر ما يواجه المنطقة ليس حربًا بعينها، بل استمرار الحروب بلا نهاية. لأن الحروب الطويلة لا تُسقط الجيوش فقط، بل تُسقط الدول من الداخل، وتخلق فراغًا تستغله قوى الفوضى والتنظيمات المتطرفة ومصالح القوى الدولية الكبرى.

ولهذا تتحرك مصر وفق رؤية مختلفة: منع اتساع الصراع بدلًا من الانخراط فيه، وفتح قنوات الحوار بدلًا من إغلاقها، والعمل كجسر سياسي بين أطراف لا تستطيع الجلوس على طاولة واحدة. إنها سياسة القوة العاقلة، لا الاندفاع العاطفي.

إن موقع مصر الجغرافي، وقوة مؤسساتها، وثقلها العسكري والسياسي، يجعلها الدولة الوحيدة القادرة على فرض معادلة الاستقرار دون أن تتحول إلى طرف صدام مباشر. فهي تدرك أن الأمن القومي العربي لم يعد يُحمى بالشعارات، بل ببناء توازن يمنع الانفجار الشامل.

لكن الحقيقة الأهم أن ما بعد الحرب سيكون أخطر من الحرب نفسها. فالمنطقة مقبلة على إعادة رسم النفوذ، وإعادة توزيع القوة الاقتصادية والسياسية. الدول التي حافظت على تماسكها الداخلي ستقود المستقبل، بينما الدول التي استنزفتها الصراعات ستنشغل بترميم ما تهدم لعقود طويلة.

ومن هنا يظهر الدور المصري القادم: ليس قائد حرب، بل قائد مرحلة انتقالية نحو الاستقرار. مرحلة تعتمد على إعادة الإعمار، وتأمين الممرات التجارية، وحماية مفهوم الدولة الوطنية من الانهيار.

إن العالم اليوم لا يبحث عن دولة تشعل المعارك، بل عن دولة تمنعها. ولا يحتاج إلى صوت مرتفع بقدر ما يحتاج إلى عقل استراتيجي قادر على إدارة التوازنات المعقدة.

ومصر، بتاريخها وثقلها وموقعها، تمتلك فرصة تاريخية لتكون حجر الأساس في شرق أوسط جديد يقوم على التوازن لا الفوضى، وعلى الشراكة لا الصدام.

ويبقى السؤال الحقيقي: هل تدرك الدول العربية أن زمن الصراعات الصفرية انتهى؟ وأن النجاة لم تعد في الانحياز لمحاور الصراع، بل في بناء محور الاستقرار؟

إن المستقبل لن يكون للأقوى عسكريًا فقط، بل للأكثر قدرة على حماية الدولة ومنع انهيارها. وفي زمن تتساقط فيه الحسابات القديمة، قد تكون مصر مرة أخرى هي الدولة التي تطفئ الحريق قبل أن يلتهم الجميع.

فالتاريخ علمنا أن مصر عندما تتحرك لحماية الاستقرار… يتغير شكل امنطقة بأكملها.

مصر وتوازن النار في الشرق الأوسط: من زمن الحروب إلى زمن صناعة الاستقرار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *