من الخفاجي يكتب الأرض المحروقة: اعتراف إسرائيلي بالعجز والفشل الذريع
محمد الخفاجي
منذ نشأة الكيان الصهيوني، لم تتوقف إسرائيل عن البحث عن وسيلة تُمكّنها من تصفية القضية الفلسطينية، مرة عبر القوة العسكرية، ومرة عبر السياسة والاتفاقيات، ومرة عبر الحصار والضغط الاقتصادي. واليوم، وبعد عقود من الفشل، تعود إسرائيل إلى أكثر الخيارات دموية وخطورة: القوة الغاشمة وسياسة الأرض المحروقة.
لقد راهنت إسرائيل طويلًا على أن الفلسطيني يمكن كسره أو دفعه إلى الرحيل، لكن هذا الرهان سقط مرارًا. فالحروب المتكررة لم تُنهِ المقاومة، والحصار لم يُطفئ جذوة التمسك بالأرض، والقتل لم يصنع الخضوع. وحين فشلت القوة العسكرية وحدها، انتقلت إسرائيل إلى مسار آخر، تمثل في اتفاقيات سياسية أبرزها اتفاقيات أوسلو، التي صُوِّرت آنذاك كحل تاريخي، بينما كانت في حقيقتها محاولة ناعمة لإدارة الصراع لا حله، ولإفراغ الأرض من أصحابها تدريجيًا.
غير أن الفلسطينيين لم يغادروا، ولم ينسوا، ولم يذوبوا في وهم “السلام الاقتصادي”. على العكس، ازدادت الهوية رسوخًا، وتحوّل الجيل الجديد إلى شاهد حي على فشل كل محاولات الطمس والاحتواء. وهكذا، وجدت إسرائيل نفسها أمام واقع مأزوم: احتلال بلا أمن، وقوة بلا شرعية، ودولة عاجزة عن إقناع مواطنيها بأن المستقبل على هذه الأرض مضمون.
اليوم، تلجأ الحكومة الإسرائيلية إلى التصعيد غير المسبوق، مستخدمة سياسة التدمير الشامل، في محاولة أخيرة لفرض معادلة بالقوة، قبل أن يتآكل الداخل الإسرائيلي نفسه. فالمجتمع هناك بات منقسمًا، والجيش مُستنزف، وصورة “الدولة الآمنة” التي كانت عنصر الجذب الأول للمستوطنين بدأت تتهاوى. ومع كل فشل أمني جديد، يتصاعد القلق، وتزداد الهجرة العكسية، ويظهر السؤال الوجودي الذي تحاول النخبة الحاكمة الهروب منه: هل يمكن لدولة تقوم على القوة وحدها أن تستمر؟
إن ما يجري اليوم ليس دليل قوة إسرائيل، بل علامة واضحة على مأزقها التاريخي. فالدول التي تثق في شرعيتها لا تُحارب المدنيين، ولا تهدم البيوت على ساكنيها، ولا تُجرّب الإبادة كحل سياسي. وما يحدث في فلسطين يؤكد حقيقة واحدة: أن الأرض التي لها شعب لا يمكن أن تُفرَّغ، وأن القضية التي تتجدد بالدم والوعي لا تموت.
وفي النهاية، قد تنجح إسرائيل مؤقتًا في إحداث دمار واسع، لكنها تفشل في تحقيق الهدف الأهم: كسر إرادة الفلسطيني. فالتاريخ لا يُكتب بالقنابل وحده

