الرئيسيةاخبارمن هنا نبدأ … حين يغيب الوعي ينهار كل شيء من المدرسة إلى البرلمان
اخبار

من هنا نبدأ … حين يغيب الوعي ينهار كل شيء من المدرسة إلى البرلمان

 

د. م. مدحت يوسف

29 نوفمبر 2025

 

في خضم ما يشهده العصر الحديث من تطور مذهل في التكنولوجيا وتسارع غير مسبوق في مجالات العلوم والرقمنة والذكاء الاصطناعي تتعاظم الحاجة إلى وعي ثقافي عميق وإلى قيادات تمتلك علماً وفكراً ورؤية قادرة على استيعاب هذا التحول الكبير وتحويله إلى قوة بناء لا إلى أداة هدم. غير أن المؤلم في واقعنا أن المواطن الذي نعقد عليه الآمال ونبني عليه أحلام المستقبل ما زال في كثير من الأحيان يفكر بعقلية تعود إلى أكثر من مائة عام مضت بينما يعيش في زمن لا يقبل إلا بالعقول المتجددة والرؤى المتقدمة. هذا التناقض الصارخ بين واقع سريع التغير وعقلية جامدة يمثل جوهر الأزمة التي نعيشها اليوم ويكشف حجم الفجوة بين ما نملكه من أدوات حديثة وما نحمله في داخلنا من أفكار قديمة.

 

إن التعليم الذي يفترض به أن يكون بوابة الوعي ومصنع القيم والعقول يعاني من اختلال عميق أفقده في كثير من الأحيان قدرته على أداء رسالته الحقيقية. فلا تطوير جوهري يواكب متطلبات العصر ولا بناء حقيقياً للمهارات ولا غرس كافياً للقيم التي تشكّل الضمانة الأولى لبناء الإنسان الصالح والواعي. أصبحت مخرجات التعليم تفتقر إلى أدوات التفكير النقدي والتحليل الموضوعي وإلى الإحساس بالمسؤولية تجاه الذات وتجاه المجتمع. وهكذا تتكون أجيال تحمل شهادات ورقية لكنها تفتقر إلى البوصلة الفكرية والضمير الحي القادر على التمييز بين الحق والباطل وبين البناء والهدم.

 

وفي الوقت الذي تحتاج فيه المجتمعات إلى غرف برلمانية واعية تمتلك فهماً عميقاً لقضايا الوطن وتحدياته وتتعامل معها بعقلية علمية متطورة ما زال الفكر التقليدي يفرض هيمنته على المشهد الانتخابي في كثير من الأحيان. تختفي المعايير الحقيقية ويغيب ميزان الكفاءة لتحل محله اعتبارات ضيقة ومصالح آنية ونزعات شخصية لا تخدم إلا أصحابها. لا أخلاقيات راسخة تضبط سلوك بعض المرشحين ولا ثقافة انتخابية ناضجة عند قطاع من الناخبين. ما زالت ممارسات شراء الأصوات وبيع الضمائر تتكرر في صور مختلفة وكأن الزمن لم يتحرك ولم يحمل معه دروساً وعِبَراً وكأن المجتمعات لم تعِ بعد أن من يشتري الصوت اليوم يسلب الغد من أبنائه.

 

ورغم هذا المشهد المربك فقد ظهر في بعض الدوائر بارق أمل حين تقدّم أصحاب العلم والكفاءة والسجل المهني النظيف إلى ساحة المنافسة. وقد منح حضورهم رسالة واضحة بأن الوطن ما زال يملك من أبنائه من يؤمن برسالة العلم وبقيمة الخدمة العامة وبقدسية المسؤولية. إلا أن المفارقة المؤلمة تمثّلت في أن بعض تلك المحاولات قوبلت بإعراض غير مبرر عن الكفاءة وانحياز لمن لا يملكون مشروعاً ولا رؤية ولا مؤهلات تليق بحجم المسؤولية. وهكذا يصبح المشهد مقلوباً ويُغيَّب المنطق وتُهمَّش القيمة أمام سطوة المال والنفوذ والمصالح العابرة.

 

وزاد من تعقيد الصورة ما ظهر من خلل في إدارة بعض جوانب العملية الانتخابية في بعض المواقع مما أدى إلى إلغاء نسبة كبيرة من الأصوات نتيجة لممارسات تفتقر إلى النزاهة والشفافية. ولم يكن ذلك مجرد خطأ إجرائي عابر بل كان دليلاً على خلل أعمق ومسّاً بثقة المواطن في العملية الديمقراطية ذاتها. الأمر الذي بلغ من الخطورة ما استوجب تدخّل القيادة السياسية وغضبها مما يحدث لأن ما يُساء إليه هنا ليس أشخاصاً فقط بل يُساء إلى صورة الدولة وإلى حق المواطن في اختيار من يمثله بإرادة حقيقية حرة واعية.

 

ومع ذلك فإن المواطن في جوهره لا يبحث عن معجزة بل يبحث عن من يعبر عنه بصدق ومن يحمل همّه بإخلاص ومن يضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبار آخر. وقد شهدنا نماذج مشرّفة في بعض الدوائر حين اصطف الناس خلف أصحاب السيرة الطيبة والاحترام الاجتماعي حتى وإن لم يملكوا المال ولا أدوات الدعاية التقليدية. وقف الناس إلى جوار من آمنوا به لأنهم رأوا فيه إنساناً نزيهاً ورمزاً للقيمة لا سلعة في سوق السياسة. في تلك اللحظات أدركنا أن الأمل ما زال موجوداً وأن الوعي وإن غاب في بعض الأماكن فهو حاضر بقوة في أماكن أخرى بين أبناء الوطن الواحد.

 

وإذا عدنا إلى جذور الأزمة سنجد أن ما يحدث في المشهد الانتخابي والسياسي ليس بعيداً عما يحدث في بيئة التعليم والتنشئة. فما نشهده من مظاهر عنف في المدارس وتجاوزات في العلاقات الإنسانية بين الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور ليس إلا مرآة تعكس حالة الانحدار القيمي وغياب التربية الواعية. أن يُعتدى على طفل في سن الزهور وأن يتجاوز طالب على زميله وأن يسيء معلم إلى تلميذه أو ولي أمر إلى معلم إنما هو دليل واضح على انهيار منظومة أخلاقية كان يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن المجتمع. المدرسة التي كانت يوماً رمزاً للأمان وبناء الإنسان تحولت في بعض الأحيان إلى ساحة صراع وارتباك نتيجة فراغ ثقافي وتربوي عميق.

 

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أحداث متفرقة بل حالة عامة من الفوضى الفكرية واللامعرفية والتشتت القيمي. لذلك فإننا في أمسّ الحاجة إلى وقفة صادقة وجادة مع أنفسنا وقفة أخلاقية وفكرية تعيد لكل إنسان وعيه بدوره ومسؤوليته تجاه نفسه ووطنه. نحتاج إلى إعادة بناء ثقافي شامل يبدأ من الأسرة التي تُنشئ ويمر بالمدرسة التي تُعلّم ويستكمل بدور الإعلام الذي يُوجّه والمؤسسات الدينية والوطنية التي تُرسّخ القيم والمفاهيم الصحيحة. إنه مشروع وطني متكامل لإعادة الإنسان إلى مركز المعادلة.

 

وفي عصر الذكاء الاصطناعي لا يكفي أن نمتلك التقنيات ولا أن نُدخلها إلى مؤسساتنا ما لم تكن مصحوبة بوعي إنساني وأخلاقي يحسن استخدامها ويمنع انحرافها عن مسارها الصحيح. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بسرعة الأجهزة ولا بحداثة البرمجيات بل بعمق القيم الراسخة في وجدان الإنسان. مجتمع بلا أخلاق مهما امتلك من أحدث الوسائل سيبقى هشاً قابلاً للانهيار بينما مجتمع يمتلك الوعي والضمير والقيم الراسخة قادر على تحويل أبسط الإمكانات إلى أعظم الإنجازات.

 

وفي نهاية المطاف فإن ما نمرّ به اليوم رغم قسوته ليس نهاية الطريق بل بداية إدراك حقيقي لضرورة التغيير. إنه جرس إنذار يوقظ العقول ويدعو النفوس إلى مراجعة الذات والعودة إلى جوهر القيم التي بُنيت عليها الأوطان القوية. إن عودة الوعي تبدأ من الداخل من قرار صادق يتخذه كل فرد بأن يكون جزءاً من الحل لا جزءاً من الأزمة وأن يكون نموذجاً في أخلاقه قبل أن يطالب غيره بالإصلاح. وحين ندرك أن إصلاح المجتمع يبدأ من التربية والوعي وأن بناء الوطن يبدأ من بناء الإنسان يتجدد الأمل وتتحول التحديات إلى فرص والانكسارات إلى دروس والنكسات إلى بدايات جديدة.

 

إن المجتمع الذي يختار العلم ويحترم الأخلاق ويقدّس الوعي هو مجتمع يكتب لنفسه مستقبلاً مشرقاً مهما اشتدت عليه العواصف وتعاظمت التحديات. فالوطن الذي يملك أبناءً واعين ومثقفين وأصحاب ضمائر حية لن تهزمه الفوضى ولن يثنيه الفساد بل سيظل قادراً على النهوض والتجدد ورسم مستقبله بثبات في قلب عالم متغير سريع الإيقاع. ومن هنا تبدأ النهضة الحقيقية من الإنسان أولاً ومن وعيه وقيمه وإيمانه بأن الوطن فوق كل شيء.

#خطى_الوعي #د_مدحت_يوسف #الأخلاقيات #الهدف #التحدي #مدحت #انتخابات٢٠٢٥

DrEng Medhat Youssef Moischool

خطى الوعي TopFans ElWatan News\جريدة الوطن نصر مطر الصفحة الأولى الحكاية وزارة التربية والتعليم المصرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *