** من يكتب التاريخ؟ 
بقلم/محمد مصطفى كامل
قبل أن ندخل في سلسلة مقالات التاريخ من وراء الستار كان لابد أن نمهد للقارئ من هم صناع التاريخ .
حراس الذاكرة وصنّاع الرواية
حين قلنا إن التاريخ ليس حكاية تُروى، بل وعيٌ يُبنى، كان لا بد أن نسأل:
من الذي كتب هذا الوعي؟ ومن أين جاءت الروايات التي نثق بها أو نختلف حولها؟
التاريخ الذي بين أيدينا لم ينزل دفعة واحدة، ولم يُكتب بقلمٍ واحد. بل تشكّل عبر عصور، بأقلام رجالٍ عاشوا الأحداث أو سمعوا عنها.
وثّقوا، وفسّروا، وأحيانًا — شاءوا أم أبوا — تأثروا بعصورهم وانتماءاتهم.
*المدرسة الأولى:
رواة الأخبار والطبقات
في التراث الإسلامي، برزت أسماء شكّلت العمود الفقري لعلم التاريخ، مثل:
محمد بن جرير الطبري صاحب “تاريخ الأمم والملوك”، الذي جمع الروايات بالأسانيد وترك للقارئ مساحة الترجيح.
أحمد بن يحيى البلاذري في “فتوح البلدان”، حيث رصد تحولات الدولة الإسلامية سياسيًا وإداريًا.
ابن الأثير في “الكامل في التاريخ”، الذي حاول الجمع والترتيب والتحليل.
هؤلاء لم يكونوا مجرد ناقلين، بل كانوا مؤسسي منهج: الجمع، المقارنة، التوثيق.
نقلة نوعية: التاريخ كعلم اجتماعي
ثم جاء التحول الكبير مع ابن خلدون، الذي لم يكتفِ بسرد الوقائع، بل سأل:
لماذا تقوم الدول؟ ولماذا تسقط؟
في “المقدمة”، وضع أسس ما نسمّيه اليوم فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، فصار التاريخ عنده قانونًا للعمران لا مجرد أخبار.
المؤرخ الشاهد على عصره
في مصر الحديثة، لا يمكن تجاوز اسم عبد الرحمن الجبرتي، الذي نقل لنا تفاصيل الحملة الفرنسية وما بعدها بعيون شاهدٍ حيّ، فصار مرآة عصرٍ كامل.
ثم جاءت مدارس حديثة تأثرت بالمنهج الأوروبي، وبرزت أسماء مثل محمد شفيق غربال، الذي أدخل المنهج الأكاديمي الحديث في كتابة التاريخ المصري.
بين الرواية والتحليل
وهنا يظهر سؤال جوهري سنناقشه في هذه السلسلة:
هل المؤرخ ناقلٌ محايد؟
أم أن كل تاريخ هو قراءة بشرية للأحداث؟
سنفتح ملفات:
الفرق بين المصادر الأصلية والمراجع الثانوية.
خطورة الاعتماد على رواية واحدة.
كيف نكتشف الانحياز في النصوص؟
ولماذا يختلف المؤرخون حول الحدث الواحد؟
لماذا نبدأ بالمؤرخين؟
لأن فهم الكاتب جزء من فهم الكتابة.
حين تعرف خلفية المؤرخ، عصره، ظروفه السياسية، مذهبه، ومدرسته الفكرية… فإنك لا تقرأ النص فقط، بل تقرأ ما بين السطور.
هذه السلسلة… وعدٌ جديد
في هذه السلسلة التي وعدنا بها، لن نكتفي بسرد الأحداث، بل سنفكك الروايات، ونقارن المصادر، ونكشف مناطق الظل، لنصل إلى وعيٍ تاريخيٍّ ناضج.
لن نسأل فقط: ماذا حدث؟
بل سنسأل: من قال إنه حدث هكذا؟ ولماذا قاله بهذه الطريقة؟
فالتاريخ ليس ماضياً فقط…
بل مسؤولية قراءة.
انتظرونا في المقال القادم إن شاء الله.
** من يكتب التاريخ؟
بقلم/محمد مصطفى كامل
قبل أن ندخل في سلسلة مقالات التاريخ من وراء الستار كان لابد أن نمهد للقارئ من هم صناع التاريخ .
حراس الذاكرة وصنّاع الرواية
حين قلنا إن التاريخ ليس حكاية تُروى، بل وعيٌ يُبنى، كان لا بد أن نسأل:
من الذي كتب هذا الوعي؟ ومن أين جاءت الروايات التي نثق بها أو نختلف حولها؟
التاريخ الذي بين أيدينا لم ينزل دفعة واحدة، ولم يُكتب بقلمٍ واحد. بل تشكّل عبر عصور، بأقلام رجالٍ عاشوا الأحداث أو سمعوا عنها.
وثّقوا، وفسّروا، وأحيانًا — شاءوا أم أبوا — تأثروا بعصورهم وانتماءاتهم.
*المدرسة الأولى:
رواة الأخبار والطبقات
في التراث الإسلامي، برزت أسماء شكّلت العمود الفقري لعلم التاريخ، مثل:
محمد بن جرير الطبري صاحب “تاريخ الأمم والملوك”، الذي جمع الروايات بالأسانيد وترك للقارئ مساحة الترجيح.
أحمد بن يحيى البلاذري في “فتوح البلدان”، حيث رصد تحولات الدولة الإسلامية سياسيًا وإداريًا.
ابن الأثير في “الكامل في التاريخ”، الذي حاول الجمع والترتيب والتحليل.
هؤلاء لم يكونوا مجرد ناقلين، بل كانوا مؤسسي منهج: الجمع، المقارنة، التوثيق.
نقلة نوعية: التاريخ كعلم اجتماعي
ثم جاء التحول الكبير مع ابن خلدون، الذي لم يكتفِ بسرد الوقائع، بل سأل:
لماذا تقوم الدول؟ ولماذا تسقط؟
في “المقدمة”، وضع أسس ما نسمّيه اليوم فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع، فصار التاريخ عنده قانونًا للعمران لا مجرد أخبار.
المؤرخ الشاهد على عصره
في مصر الحديثة، لا يمكن تجاوز اسم عبد الرحمن الجبرتي، الذي نقل لنا تفاصيل الحملة الفرنسية وما بعدها بعيون شاهدٍ حيّ، فصار مرآة عصرٍ كامل.
ثم جاءت مدارس حديثة تأثرت بالمنهج الأوروبي، وبرزت أسماء مثل محمد شفيق غربال، الذي أدخل المنهج الأكاديمي الحديث في كتابة التاريخ المصري.
بين الرواية والتحليل
وهنا يظهر سؤال جوهري سنناقشه في هذه السلسلة:
هل المؤرخ ناقلٌ محايد؟
أم أن كل تاريخ هو قراءة بشرية للأحداث؟
سنفتح ملفات:
الفرق بين المصادر الأصلية والمراجع الثانوية.
خطورة الاعتماد على رواية واحدة.
كيف نكتشف الانحياز في النصوص؟
ولماذا يختلف المؤرخون حول الحدث الواحد؟
لماذا نبدأ بالمؤرخين؟
لأن فهم الكاتب جزء من فهم الكتابة.
حين تعرف خلفية المؤرخ، عصره، ظروفه السياسية، مذهبه، ومدرسته الفكرية… فإنك لا تقرأ النص فقط، بل تقرأ ما بين السطور.
هذه السلسلة… وعدٌ جديد
في هذه السلسلة التي وعدنا بها، لن نكتفي بسرد الأحداث، بل سنفكك الروايات، ونقارن المصادر، ونكشف مناطق الظل، لنصل إلى وعيٍ تاريخيٍّ ناضج.
لن نسأل فقط: ماذا حدث؟
بل سنسأل: من قال إنه حدث هكذا؟ ولماذا قاله بهذه الطريقة؟
فالتاريخ ليس ماضياً فقط…
بل مسؤولية قراءة.
انتظرونا في المقال القادم إن شاء الله.

