نبض ما بين السطور
بقلم/نشأت البسيوني
هناك لحظة غريبة يعيشها الانسان دون ان يخطط لها لحظة يشعر فيها ان العالم من حوله يتحرك بسرعة بينما داخله يسير ببطء شديد كأنه يحاول فهم شيء ما لم يفهمه من قبل او التقاط اشارة كانت تمر امامه دون ان يلتفت اليها لحظة يدرك فيها ان ما يمر به ليس مجرد يوم عادي بل رسالة صامتة تكتبها الحياة بين السطور دون حروف ظاهرة هذه اللحظة تجعل الانسان يتوقف دون سبب
واضح ينظر الى الاشياء المعتادة بنظرة مختلفة كأن فيها معنى لم ينتبه اليه من قبل يرى في الوجوه ملامح لم يكن يلاحظها ويرى في الطرق التي يسلكها يوميا تفاصيل لم يكن يدرك وجودها يرى نفسه بشكل اخر لا يخلو من الصراحة ولا من المراجعة ولا من الرغبة في اعادة ترتيب داخله مع مرور الوقت يفهم الانسان ان الحياة لا تتحدث بصوت مرتفع لكنها تكتب رسائلها داخل قلبه كلما
ضاق او اتسع كلما تعب او نهض كلما فقد او وجد كلما خسر او تعافى وهذه الرسائل لا تقدر قيمتها الا عندما يقرأها حين يتوقف عن الركض في اتجاه واحد وحين يسمح لنفسه ان يشعر بدلا من ان يتظاهر بالقوة نبض ما بين السطور هو ذلك الشعور الخفي الذي يخبر الانسان ان ما يمر به ليس صدفة وان الاشخاص الذين ظهروا فجأة قد يكونون بابا لدرس جديد او خطوة نحو تغيير اعمق وان
الاحداث التي تبدو بلا معنى قد تكون اشارة لاعادة رسم طريقه او لاتخاذ موقف كان يؤجل اتخاذه دون سبب وفي هذا النبض يفهم الانسان نفسه اكثر يفهم مخاوفه واسراره وطموحاته وجرأته التي يخفيها وضعفه الذي يخجل منه واندفاعه الذي يحاول السيطرة عليه وفي اللحظة التي يواجه فيها كل ذلك يدرك انه لم يكن بحاجة الى ضوء كبير ليهتدي بل كان بحاجة الى انصات عميق لما
تنسجه الحياة في داخله دون ان يلاحظ ومع النضج يفهم الانسان ان ما بين السطور ليس فراغا بل مساحة تمتلئ بكل ما لا يقال بكل ما لا يعترف به بصوت عال بكل ما يحتاج وقتا كي ينضج ويتفتح وينكشف وان الطريق الحقيقي لا يبدأ حين نتحرك بل حين نعي لماذا نتحرك والى اين نريد ان نصل وكيف نحمل قلوبنا معنا دون ان نخسرها في منتصف الرحلة يكتشف الانسان ان الحياة لم تكن
تتركه وحيدا كما كان يظن بل كانت تكتب له بلغة خاصة به يحسن قراءتها فقط عندما يتوقف ويهدأ ويصغي وان اعظم الرسائل لا تأتي عبر الكلام بل تأتي عبر نبض عميق يمر بين السطور ليعيد تشكيله من جديد
نبض ما بين السطور


