فنزويلا مشهد النهاية.. سقوط السيادة العالمية تحت قبضة القرصنة الأمريكية
صفارة إنذار أخيرة قبل الغروب، في فجرٍ جديد من عام 2026، لم يحمل معه إشراقة أمل، بل جاء حاملاً مشهد الإعدام الرسمي لأعرق مبادئ النظام العالمي. لم يعد العالم كما عرفناه؛ ففي لحظة تاريخية مدوية، تم اختطاف مفهوم السيادة الوطنية من ساحات القانون الدولي واقتياده مقيداً في مشهد سينمائي أشبه بأفلام “الكاوبوي”، ليعلن رسمياً ولادة عالم جديد قائم على شريعة الغاب. لقد حذرنا مراراً وتكراراً من هذا المنزلق، وحللنا بعيون قلقة تحول السياسة الدولية إلى لعبة خطيرة بيد القوة العارية، ولكن لم يلتفت العالم للتحذيرات، وظلت النخب تتعامل مع الأزمة كمجرد تقلبات في حقبة الحكومات الغربية. واليوم، تتحقق النبوءة المرعبة على أرض فنزويلا. في هذا البيان الصحفي التاريخي، يرفع الباحث الحقوقي والمحلل الدولي البارز، نبيل أبوالياسين، صوته مدوياً ليسجل صرخة إنسانية وقانونية في وجه العاصفة، ويعلن للعالم أن الصمت اليوم هو تواطؤ في تشريع البلطجة الدولية غداً.
قرصنة القرن: اغتيال “منطقة السلام” في وضح النهار
أكد نبيل أبوالياسين أن عملية الاختطاف الفجرية للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته تمثل “قرصنة دولية” هي الأعلى من نوعها في القرن الحادي والعشرين. وأوضح أن هذا الفعل لا يخالف فقط ميثاق الأمم المتحدة، بل يطعن في صلب مبدأ “حصانة رؤساء الدول” الذي ظل حصناً للاستقرار لعقود. ولفت المحلل الدولي إلى أن التبريرات الأمريكية التي تزيّن العدوان تحت عنوان “إنفاذ القانون” ما هي إلا ستارة دخان لإضفاء الشرعية على منطق القوة المطلقة. وحذر أبوالياسين من أن هذا السلوك هو “ذروة الاستهتار” بالقوانين الدولية، وأن استباحة منطقة السلام في أمريكا اللاتينية -التي سعت لعقود لتكون ساحة مستقرة- هي مقدمة لاستباحة أي منطقة أخرى في العالم، مؤكداً أن ما تشهده واشنطن اليوم هو “استراتيجية هدم ممنهجة” للأمن والسلم الدوليين.
مهزلة نيويورك: المحاكم الفيدرالية أداة لغسل جرائم القرصنة
وصف أبوالياسين مشهد تقديم الرئيس مادورو للمحاكمة في نيويورك بأنه “استعراض سياسي سافر” ومهزلة قضائية تهدف إلى غسل سمعة الجريمة عبر إعطائها “غطاءً قانونياً مزيفاً”. وأضاف أن تحويل رئيس دولة ذات سيادة إلى “سجين جنائي” يُساق في شوارع المدينة يمثل قمة التبجح الأمريكي، ويهدف إلى إرسال رسالة ترهيب جماعية مفادها أن الحصانة الدولية لا وجود لها أمام الرغبة الأمريكية. وفند أبوالياسين أي شرعية لهذه المحاكمة، مؤكداً أن المحاكم الفيدرالية الأمريكية ليست صاحبة ولاية على زعماء العالم. وحذر من أن هذا المشهد لا يمثل محاكمة لشخص مادورو، بل هو “محاكمة علنية لسيادة كل دولة” ترفض الخضوع لواشنطن، مما يشكل “سابقة إجرامية” ستجعل من نيويورك ساحة لاغتيال ما تبقى من وقار العدالة الدولية.
اللعبة الكبرى: تحول فنزويلا إلى ساحة إدارة وحسابات خبيثة
وضح أبوالياسين أن مشهد إخراج مادورو من قصره مكبلاً ليس حدثاً فنزويلياً داخلياً، بل هو “عرض سياسي موجّه إلى الخارج”. وتوقف عند المفارقة الخطيرة في تعامل الإدارة الأمريكية مع المشهد الانتقالي؛ فبينما كانت التوقعات تشير إلى دعم زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، قلل الرئيس ترامب من قدرتها وطرح بدلاً منها اسم ديلسي رودريغز، نائبة مادورو السابقة، التي أدت اليمين رئيسة مؤقتة. وأشار أبوالياسين إلى أن هذا التحول السريع و”التعاون الكبير” من قبل رودريغز يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى التواطؤ الداخلي الذي مهد لهذه العملية. وتمدد التحليل ليشير إلى أن هذا النموذج في إدارة النهايات -حيث يتم سحب الزعيم بهدوء أو كسره علانية- يعتمد بالكامل على تغير ميزان الحماية الدولية ومدى خروج النظام عن “الدور المرسوم له” في النسق الأحادي القطبي.
أجندة الترهيب الشاملة: من طهران إلى غرينلاند.. العالم تحت المقصلة
لفت أبوالياسين الانتباه إلى أن تهديدات الإدارة الأمريكية لم تتوقف عند فنزويلا، بل امتدت لتشكل “أجندة ترهيب شاملة”. وحذر من أن العالم يقف على أعتاب حرب عالمية ثالثة إذا لم يتم لجم هذا “الجموح”. وأكد أن التهديدات طالت إيران بشكل وجودي، ووصل الشطط إلى حد مساومة حليف تاريخي مثل الدنمارك على سيادة إقليم غرينلاند، في سابقة تعكس “عقلية استعمارية جديدة” تتعامل مع الدول كسلع في المزاد. وضح المحلل الدولي أن هذا النهج لا يعترف بحليف أو شريك، بل يرى العالم مجرد ساحة لجباية الإتاوات السياسية والاقتصادية. وحذر مجدداً من أن الصمت على اختطاف مادورو هو رسالة طمأنة لترامب بأن “سياسة البلطجة” تؤتي ثمارها، مما سيشجعه على تنفيذ تهديداته ضد القوى الصاعدة والمستقرة على حد سواء.
الاستنكار الدولي الهش: بين بيان الاتحاد الأوروبي “المائع” ومسؤولية المجتمع الدولي
علق أبوالياسين على بيان الاتحاد الأوروبي الذي دعا إلى “الحل السلمي” و”ضبط النفس”، واصفاً إياه بأنه “بيان مايع يقطر خذلاناً”. وتساءل بحدة: “عن أي حل سلمي تتحدثون وقد تحول العالم في عهد ترامب إلى ‘نادي للإجرام الدولي’؟”. وأكد أن هذا النوع من التصريحات الخجولة يشكل استخفافاً بالعقول، وأن الصمت والتواطؤ الدولي يشرعنان البلطجة ويغتالان إرادة الشعوب والقانون الدولي. من جهة أخرى، طالب أبوالياسين المجتمع الدولي بشكل حازم بضرورة التكاتف لرفض أن تتصرف أي دولة على أنها “قاضٍ دولي” منفرد، مشدداً على أن حماية سيادة وأمن جميع الدول هي الركيزة الوحيدة لمنع الفوضى الدولية وسقوط العالم كله في براثن القرصنة العابرة للقارات.
دعوة ملتهبة لضمير الإنسانية قبل أن نُختَطف جميعاً
ختم نبيل أبوالياسين بيانه الصحفي التاريخي بدعوة ملتهبة إلى ضمير الإنسانية وإرادة الشعوب الحرة، محذراً من أن العالم يقف على “مفترق طرق مصيري”. وشدد قائلاً: “ما حدث في فنزويلا ليس مجرد خبر عابر، بل هو شهادة وفاة لنظام عالمي، وشهادة ميلاد – قسرية – لنظام آخر أكثر ظلامية يقوم على شريعة الغاب”. وحذر أبوالياسين قادة العالم العربي بشكل خاص من أن الصمت أو الاعتراح الضمني على جريمة اختطاف مادورو هو بمثابة “توقيع على بيعة بالتبعية وشرعنة للعدوان المستقبلي”. وأوضح أن استهداف فنزويلا، العضو في أوبك وتملك أكبر احتياطي نفطي في العالم، رسالة واضحة لكل دولة غنية بالثروات وتملك قراراً مستقلاً.
وختم أبوالياسين برسالة قوية: الاصطفاف العربي والإسلامي والدولي لحماية مفهوم السيادة لم يعد خياراً سياسياً، بل هو ضرورة وجودية لضمان عدم تكرار سيناريو فنزويلا في عواصمنا”. “إننا إما أن ننحني لقانون الغاب، فنرى زعماءنا يُخطَفون واحداً تلو الآخر، وتُنهب ثرواتنا، وإما أن ننهض كشعوب وكدول لنقول كفى. كفى للقرصنة الدولية، كفى للتعتيم على الفساد، كفى لاستبدال الحق بالقوة. لن ينتظر التاريخ طويلاً، فإما أن نكون نحن صناعه، أو نكون ضحاياه.
وفي ضوء التطورات الأخيرة، يُذكر بأن تحذيرات سابقة قد أُطلقت من مخاطر تحول النظام الدولي إلى فضاء تُستباح فيه سيادة الدول ويُنتَهك القانون الدولي تحت ذرائع القوة. إن ما تشهده الساحة الدولية اليوم، من تدخلات سافرة مثل القضية الفنزويلية، يُعد تجسيداً مقلقاً لتلك التحذيرات، ويعزز الشعور بتراجع هيبة المنظومة الدولية وقدرتها على حماية مبادئها.
وإن التصريحات الدولية الضعيفة والمتأخرة لا تكفي لمواجهة انتهاكات السيادة، والتي تُقوّض الأسس التي يقوم عليها السلام العالمي. إن استمرار هذا المسار يهدد بتحويل القانون الدولي إلى أداة غير فاعلة، ويفرض معادلة خطيرة حيث تسود لغة القوة على منطق الحق. إن المجتمع الدولي مدعو اليوم إلى وقفة جادة لانتشال النظام العالمي من منحدر الاختراق والانتقائية، والدفاع عن المبادئ التي وُضع من أجلها.

