هل فقدنا قيمنا لدرجة أن أبسط الأفعال صارت حدثًا مهما؟
عبدالرحمن سيد عبدالرحمن
في زمنٍ مضى لم يكن ردّ الأمانة إلى صاحبها بطولة ولا كان التصدق على فقير معجزة ولم يكن المعروف استثناءً يستحق الاحتفال. كانت هذه هي القيم الراسخة في المجتمع تُمارس بتلقائية ودون انتظار ضوء الكاميرا أو “الترند”.
اليوم نرى مشاهد لفتاة صغيرة – مثل هايدي التي فضّلت أن تتصدق على مسكين بما كانت اشترته لنفسها – فنقف لها احترامًا ونصفّق بحرارة. بالطبع ما فعلته يستحق الإشادة لأنه يعكس تربية صالحة وأسرة غرست فيها قيم الدين، لكن المدهش أن يتحول هذا الموقف العادي في أصله إلى “خبر عاجل” و”ترند” على مواقع التواصل.
وكذلك الحال مع سائق يجد حقيبة فيعيدها، فنجد الصحف تتسابق لنشر اسمه وكأننا أمام بطل قومي. السؤال البديهي: أليس من الطبيعي أن يعيد ما لا يملكه؟ أليست الأمانة فرضًا شرعيًا وأخلاقيًا لا يُشكر الإنسان عليه لأنه واجب أصيل؟
ما يحدث اليوم يكشف عن خللٍ في منظومة القيم، ليس لأن الناس توقفت عن الخير، فالمجتمع المصري ما زال بطبعه حنونًا ومعطاءً، لكن لأننا أصبحنا نتعامل مع الطبيعي على أنه استثناء. هذا التضخيم المبالغ فيه لكل بادرة خير يعكس حالة من الندرة أو الإحباط المجتمعي كأننا نقول: لقد فقدنا الثقة في وجود الخير وحين نلمحه نندهش وكأننا صادفنا كنزًا نادرًا.
لا أحد يلوم على الاحتفاء بالمواقف الإيجابية لكن الخطر أن نُربّي أجيالًا ترى الفضيلة حدثًا غريبًا بينما الأصل أن تكون سلوكًا يوميًا عاديًا.. الفضيلة يجب أن تكون قاعدة لا استثناء والواجب الأخلاقي لا يحتاج إلى تصفيق بل إلى ممارسة مستمرة.
إننا بحاجة لإعادة التوازن نُشجع الخير نعم لكن نُعيد ترسيخ الفكرة في وعي الناس أن رد الأمانة صدقًا ومساعدة الفقير رحمةً والتصدق إحسانًا كلها ليست مواقف استثنائية بل واجبات إنسانية ودينية. وحين يعود الخير إلى مكانته الطبيعية لن نحتفل به كأنه نيزك عابر بل سنعيشه كهواءٍ نتنفسه كل يوم.
والله من وراء القصد.
هل فقدنا قيمنا لدرجة أن أبسط الأفعال صارت حدثًا مهما؟