بقلم: علي فتحي
مهرجان الإسكندرية لأفلام المدارس.. حلم طالب تحول إلى وثيقة صحفية لإنقاذ وعي
في خريف عام ٢٠٠٦، وبينما كانت عجلة الزمن تدور بإيقاعها الرتيب المعتاد، كنت أجلس في إحدى مدرجات كلية التربية النوعية بمدينة المنصورة.
أذكر جيداً رائحة الورق القديم في المكتبة، وصوت الطباشير وهو يخط على اللوحة الخشبية، وصدى صوت الأساتذة الأجلاء وهم يشرحون نظريات “الإعلام التربوي” التي كُتبت في منتصف القرن العشرين.
كنت طالباً تشتعل في رأسه مئات الأفكار، أدرس بحماس نظريات الصحافة المدرسية، وكيفية إعداد برامج الإذاعة، وأسس المسرح التعليمي وفن المناظرات.
لكنني، وفي خضم هذه النظريات العريقة، كنت أرى تسونامي التكنولوجيا القادم من بعيد، يزحف بخطى ثابتة ليبتلع كل ما هو تقليدي.
كنت أشعر بغصة قاهرة؛ كأننا ندرس تاريخاً مجيداً بينما المستقبل يفلت من بين أيدينا ليتشكل في مكان آخر. كنت أنظر من نافذة الكلية وأسأل نفسي: هل يعقل أن نقف على أعتاب ثورة رقمية كبرى، وعالم الصورة يغزو العقول، بينما لا يزال أقصى طموحنا للإعلام التربوي هو لوحة خشبية نلصق عليها مقالات مقصوصة من جرائد الأمس؟ أو ميكروفون متهالك يصدر صوتاً مشوشاً في طابور الصباح لا يستمع إليه أحد وسط ضجيج الطلاب؟
في تلك المدرجات بالمنصورة، ولدت الفكرة التي سكنت عقلي، وعذبتني، وحرمتني النوم: “السينما”.. لماذا لا نصنع سينما في المدارس؟ لماذا لا يكون لدينا مهرجان سينمائي حقيقي لأفلام من صنع الطلاب، يتحدثون فيه عن أنفسهم، بأصواتهم، وبعيونهم؟
معركتي المبكرة مع “أختام النسر” وحراس القديم
حملت أوراقي وأحلامي وطموحاتي الشابة، وبدأت رحلة مكوكية قاسية بين مكاتب المسؤولين، والموجهين، وأروقة الإدارات التعليمية. كنت أحمل ملفاً متواضعاً صغته بيدي، أطرح فيه فكرة “مهرجان سينمائي لأفلام المدارس”. كنت أحاول رسم صورة للمستقبل، أحدثهم عن الصورة، عن التأثير، عن القوة الناعمة التي يمكن أن نزرعها في عقول الأطفال. لكنني اصطدمت بحائط أسمنتي من البيروقراطية الباردة.
الردود كانت دائماً تأتي محبطة، معلبة، وممزوجة بابتسامات شفقة وربتات أبوية على الكتف: “يا بني، هذا خيال سينمائي لا مكان له هنا! من أين لنا بكاميرات ومعدات إضاءة ومونتاج؟ من سيمول هذا العبث؟ نحن بالكاد نوفر أوراقاً لمجلة الحائط وميزانية لمسرحية نهاية العام، وأنت تتحدث عن مهرجان سينمائي؟ هل تريد أن تترك المناهج وتُعلم الأولاد التمثيل والرقص؟”.
كان الروتين جداراً أصم، وكانت الرؤية الرسمية للإعلام التربوي لا تتعدى مساحته التقليدية الآمنة التي لا تغضب أحداً، ولا تغير شيئاً، ولا تبني إنساناً. ثقافة “الختم والتوقيع” والمذكرات الرسمية كانت تنتصر دائماً على ثقافة “الكاميرا والإبداع”. يومها، طويت أوراقي بحسرة، لكنني أقسمت ألا أطوي حلمي. خبأته في درج مكتبي، وكبرت، وغادرت المنصورة حاملاً هذا الحلم في حقيبتي إلى عروس البحر، الإسكندرية، لأتحول بمرور السنين من طالب يحمل ورقة شكوى يائسة، إلى صحفي يمتلك منبراً ويحمل قلماً يزن أطناناً من الكلمات.
تشريح الإعلام التربوي: تحطيم الصنم الكلاسيكي
اليوم، ونحن في عام ٢٠٢٦، أقف لأفتح هذا الملف من جديد في مدينة الإسكندرية، الكوزموبوليتانية التي تحتضن الفنون منذ فجر التاريخ. أفتحه ليس بصفتي القديمة كطالب حالم، بل كصحفي يقرأ الواقع الاستقصائي ويدرك أننا نرتكب جريمة مكتملة الأركان في حق أجيال كاملة إذا استمررنا في حبس “الإعلام التربوي” داخل قوالبه الكلاسيكية المتهالكة.
دعونا نواجه الحقيقة المرة ونتحدث بشفافية مطلقة قد تغضب البعض: الإعلام التربوي لا يشمل الصحافة، ولا الإذاعة، ولا المناظرات، ولا المسرح وفقط! من حصر هذا المجال العظيم والمتشعب في هذه الأنشطة الأربعة فقد ظلم نفسه، وظلم تخصصه، واغتال عقول الطلاب.
هذه الأدوات، على عظمة دورها التاريخي في القرن الماضي، هي مجرد “وسائط”، والوسائط بطبيعتها تتغير، تتطور، وتموت لتحيا وسائط أخرى أكثر فاعلية. الإعلام التربوي في جوهره هو “صناعة الوعي”، هو القدرة على التعبير الحر، هو تنمية التفكير النقدي، هو جعل الطالب صانعاً للرسالة وليس مجرد وعاء فارغ يستقبل التلقين.
في عصر الشاشات الذكية، والمحتوى السريع، والذكاء الاصطناعي، يجب أن يتطور هذا الوعي ليتحدث لغة العصر: لغة الفيديو، لغة الكادر، لغة السينما. إذا لم نمنح هذا الجيل مساحة ليصنع محتواه البصري المنضبط والموجه داخل أسوار المدرسة، وتحت إشراف تربوي واعي، فسيصنعه خارجها في عوالم الإنترنت المظلمة والعشوائية، وسيستهلك محتوى مشوهاً يسلخه عن هويته وقيمه. التطور هنا لم يعد ترفاً أو خياراً بديلاً، بل هو مسألة أمن قومي وثقافي، وطوق النجاة الأخير لعقول أبنائنا
نظرية الانصهار العظيم: الشاشة التي تبتلع كل الفنون
من هنا، تأتي الفلسفة العميقة والمبرر الأكاديمي لمشروع “مهرجان الإسكندرية السينمائي لأفلام المدارس ٢٠٢٦”. الفكرة ليست هدم الأنشطة القديمة التي شقينا في دراستها في “التربية النوعية”، بل الفكرة هي “تطويرها، وتحديثها، وصهرها في كيان أعظم”.
السينما ليست مجرد نشاط خامس يُضاف لجدول الحصص المزدحم، السينما هي “الثقب الأسود الفني” الجميل الذي يبتلع كل الفنون الأخرى ليعيد إنتاجها في أبهى صورة. إنها البوتقة السحرية التي تنصهر فيها كل جهود الإعلام التربوي لتخرج لنا سبيكة فنية شديدة الصلابة والتأثير. دعونا نُشرّح هذا الدمج العبقري كيف سيحدث على أرض الواقع، وكيف ستتحول المدرسة العادية إلى مدينة إنتاج إعلامي مصغرة تعج بالحياة:
١. الصحافة والمناظرات (العقل المدبر وخلق الصراع الدرامي):
الطالب الذي تدرب لسنوات على كتابة التحقيقات الصحفية، والذي تعلم فن بناء الحجة وتفنيد الرأي الآخر في المناظرات المدرسية، هو “كاتب السيناريو” العبقري المنتظر الذي نبحث عنه. المناظرة في جوهرها هي “صراع بين فكرتين”، والسينما لا تقوم ولا تنجح إلا على صراع درامي حقيقي.
هذا الطالب هو من سيلتقط القضية من فناء المدرسة (سواء كانت تنمراً، أحلاماً محطمة، صراع أجيال، أو قصة نجاح منسية)، ويصيغ منها حبكة متماسكة. والأهم من ذلك كله، أنني كصحفي أطمح لنصوص تنطق بـ “حوار مصري صميم”؛ حوار نابع من الجذور، يستخدم مفردات الطالب اليومية بذكاء ودون ابتذال، ويعكس هويته الحقيقية، مبتعداً تماماً عن الخطابات الوعظية المباشرة، والنصائح المفتعلة التي دمرت إعلامنا التوجيهي لعقود وجعلت الطلاب ينفرون منه بل ويسخرون من محتواه.
٢. الإذاعة المدرسية (هندسة النبض وصناعة الدهشة الصوتية):
أبطال الإذاعة، أولئك الذين يقفون كل صباح خلف الميكروفون، أصحاب الحناجر الذهبية ومخارج الألفاظ السليمة، هم السحرة الجدد خلف الكواليس. في هذا المشروع، لن يقفوا في طابور الصباح ليقرأوا حكمة مكررة من كتاب قديم، بل هم مهندسو الصوت، صناع المكساج، وفنانو المؤثرات (Foley Art) الذين سيخلقون الحياة في المشاهد.
هم من سيسجلون وقع خطوات الأقدام في الممرات الفارغة لتعكس الخوف، وهم من سيبرزون حفيف الشجر في ساحة المدرسة ليعكس الهدوء. هم المؤدون الصوتيون الذين سيمنحون الصورة عمقها وروحها. الميكروفون هنا لم يعد حكراً على فقرة “هل تعلم”، بل أصبح أداة جبارة لصناعة الدهشة البصرية والنفسية في صالة العرض.
٣. المسرح المدرسي (الجسد والروح وواقعية الأداء الكامنة):
ممثلو المسرح سيغادرون خشبتهم الخشبية المحدودة ليقفوا أمام عدسة الكاميرا؛ تلك العدسة القاسية التي لا تكذب، والتي تلتقط رمشة العين وتفضح الانفعال الكاذب. سيتعلمون أن الأداء السينمائي يتطلب صدقاً داخلياً، وعمقاً، وتحكماً في الانفعالات يفوق بكثير الصوت العالي والحركة المبالغ فيها المعتادة على المسرح.
أما مشرفو النشاط، ومعلمو التربية الفنية، ومصممو الديكور، فسيتحولون إلى مديري تصوير ومخرجي فنون (Art Directors)، يقع على عاتقهم التحدي الأكبر: تحويل فصول المدرسة الكئيبة، ومعاملها المليئة بالغبار، وسلالمها الضيقة إلى مواقع تصوير سينمائية مبهرة تُقنع المشاهد وتخلق عوالم بصرية غنية باستخدام إضاءة الشمس وأبسط الخامات المتاحة.
٢٠٢٦: سقوط حجة “المستحيل” وانكشاف العقول البيروقراطية
إذا كان الرد المعتاد في عام ٢٠٠٦ هو “من أين لنا بالكاميرات وملايين الجنيهات؟”، فإن هذا الرد في ٢٠٢٦ أصبح نكتة سخيفة لا تليق بمن يفترض أنهم يقودون قاطرة التعليم وبناء العقول.
نحن نعيش اليوم ثورة تكنولوجية كبرى جعلت من كل هاتف ذكي في جيب طالب استوديو إنتاج متكامل بحد ذاته. أدوات التصوير الرقمي، وبرامج المونتاج المجانية، وتطبيقات معالجة الصور والصوت، أسقطت كل الحجج الواهية والذرائع المالية التي كان يتستر خلفها أعداء التطور وحراس الروتين.
المعوقات لم تعد مادية على الإطلاق، بل هي معوقات “فكرية” وإدارية بحتة. نحن بحاجة إلى ثورة حقيقية لتنظيف العقول من غبار البيروقراطية، وإعادة تأهيل المشرفين ليدركوا أن دورهم لم يعد “التلقين الأعمى”، بل “التوجيه والإنتاج التنفيذي”. دور المعلم اليوم هو أن يكون المايسترو الذي يذلل العقبات، يستكشف المواهب، ويدير منظومة العمل الإبداعي، وليس الرقيب الصارم الذي يقص أجنحة الخيال خوفاً من خرق لوائح كُتبت قبل أن يولد هؤلاء الطلاب.
المانيفستو البصري لمهرجان الإسكندرية: هوية لا تقبل المساومة
إن حلمي لهذا المهرجان، الذي نضج واختمر عبر عشرين عاماً من المراقبة والانتظار والبحث، يتجاوز بكثير فكرة عرض فيديوهات مدرسية لهواة في قاعة مغلقة نصف حضورها يتثاءبون. بصفتي صحفياً يعرف جيداً قيمة الهوية البصرية ويدرك أثر الصورة في تشكيل الوجدان، أضع دستوراً فنياً صارماً لا تنازل عنه في هذا المهرجان، وهو بمثابة “مانيفستو” النسخة التأسيسية لعام ٢٠٢٦.
عندما تدور عجلة العرض في عروس البحر المتوسط، يجب أن يرى الجمهور “سينما خالصة، مجردة، ومحترمة”:
السيادة المطلقة للصورة: أريد الشاشة بكامل مساحتها أن تسيطر على حواس المشاهد. العمل الفني يجب أن يملأ العين والعقل معاً.
لا للمشتتات البصرية العبثية: لن أقبل أبداً بتلك العبثية البصرية المعهودة التي تلوث الشاشات بشعارات الإدارات التعليمية، أو تواقيع المشرفين بخطوط رديئة، أو لوجوهات مزعجة في زوايا الكادر. هذه الإضافات الكارثية تقتل سحر الصورة، وتُذكّر المشاهد طوال الوقت أنه يشاهد “مشروعاً مدرسياً مفروضاً كواجب” وليس عملاً فنياً مستقلاً يستحق الاحترام.
لغة الجسد والصورة تغني عن النص: أرفض تماماً وضع نصوص سفلية أو ترجمات مشتتة للنظر تكسر حالة الاندماج الدرامي وتشوه الكادر السفلي للفيلم. العمل الفني الحقيقي والقوي يفرض احترامه من خلال نقاء صورته، وقوة أداء أبطاله، وتكوين كادراته. يجب أن تكون القصة قادرة على اختراق المتلقي من خلال التعبيرات والصورة البصرية والإيقاع، قبل الاعتماد على حشو الشاشة بالكلمات المكتوبة. الفن البصري يجب أن يكون سيد الموقف بامتياز.
رسالة من الأمس المنسي إلى الغد المشرق
في ختام هذا المقال المطول، الذي طال انتظاره لعقدين من الزمان، أعود بذاكرتي لأنظر إلى صورتي القديمة في مدرجات “التربية النوعية بالمنصورة” عام ٢٠٠٦.. ذلك الطالب الشاب الذي وقف محبطاً، يحمل أوراقه أمام أبواب الروتين المغلقة، والذي كان يرى ملامح المستقبل بوضوح صارخ بينما يغض الآخرون الطرف استسهالاً.
أبتسم له اليوم، من قلب هواء الإسكندرية المالح في ٢٠٢٦، وأقول له بثقة الصحفي الذي خبر الحياة: اطمئن يا رفيقي القديم، حلمك لم يمت في أدراج النسيان ولم تأكله رطوبة الإحباط. البذرة التي زرعتها في أرض صلبة وموحشة آنذاك، شقت طريقها أخيراً بصعوبة لتعانق النور هُنا، على شواطئ البحر المتوسط.
مشروع “مهرجان الإسكندرية السينمائي لأفلام المدارس” ليس مجرد حدث فني سنوي عابر نلتقط فيه الصور التذكارية، أو فقرة ترفيهية لملء فراغ النشاط الصيفي. بل هو “وثيقة تحرير” حقيقية للإعلام التربوي من قيوده التاريخية الصدئة. هو إعلان صريح ومتمرد بأن مدارسنا المصرية ليست مجرد جدران باهتة لتلقين مناهج بالية، بل هي مصانع حية لبناء الإنسان، وصياغة الوجدان المصري الأصيل، واكتشاف المبدعين الذين سيقودون دفة الفن والثقافة والوعي في هذا الوطن لعقود قادمة.
لقد انتظرنا طويلاً، وطويلاً جداً، وجاء الوقت لنجعل من مدينتنا العريقة استوديو كبيراً ومفتوحاً لكل طالب موهوب يمتلك قصة تستحق أن تُروى وتُشاهد. فلتُجهز الكاميرات، ولتُضبط الإضاءة، ولتُكتب السيناريوهات النابعة من أزقتنا وشوارعنا، ولنبدأ العد التنازلي لتلك اللحظة المهيبة التي سيقف فيها أبناؤنا، ومعهم معلموهم الداعمون، ليصرخوا بكل فخر وتحدٍ في وجه المستحيل:
“أكشن.. الكاميرا تدور، والتاريخ يُكتب من جديد!”


