الرئيسيةمقالاتمن الادب العالمي
مقالات

من الادب العالمي

من الادب العالمي

من الادب العالمي

بقلم: احمد صالح

 

في أسطورة طروادة التي نسجها خيال هوميروس ومن جاؤوا بعده كثيراً ما تتجه أنظار التاريخ والشعراء نحو الخيام الإغريقية على الشاطئ، حيث يجلس أخيل يغلي غضباً باحثا عن مجدٍ شخصي يخلّد اسمه. لكن كان هناك رجل آخر يقف فوق أسوار طروادة العالية، ينظر إلى الأفق بقلب مثقل يبحث عن طريقة لإنقاذ شعبه وأهله لا عن المجد. إنه هكتور ابن الملك بريام.

لم يكن هكتور مثل أخيه الأصغر باريس، الطائش المندفع وراء نزواته. كان يعلم يقيناً أن جلب هيلين إلى طروادة كان حكماً بالإعدام على المدينة وأن نزوة أخيه ستُدفع ثمنها دماء آلاف الأبرياء. ورغم ذلك وحين دقت طبول الحرب لم يتخلَّ هكتور عن أخيه ولم يسلّمه لأن رابطة الدم وشرف العائلة كانا عنده أقدس من المنطق.

طوال سنوات الحصار العجاف كان هكتور هو السد العالي الذي تتحطّم عليه أمواج الإغريق. لم يكن نصف إله لا يُجرح مثل أخيل حيث كان بشراً يتعب، وينزف ويخاف لكنه كان يغالب خوفه كل صباح ليرتدي درعه ويخرج ليواجه الموت لأن هناك مدينة كاملة تنام قريرة العين فقط لأنها تعلم أن هكتور مستيقظ

كانت علاقة هكتور بأخيه باريس هي الجرح النازف في كبرياء البطل. فقد كانا نقيضين لا يلتقيان إلا في الدم. هكتور هو السيف الذي تآكلت حوافّه من كثرة الذود عن الأسوار، وباريس هو القوس الأنيق الذي يفضل مجالس النساء والعزف على القيثارة بينما الرجال يموتون بسببه في الخارج. كثيراً ما كان هكتور يدخل على أخيه في مخدعه، موبخاً إياه بكلمات أقسى من السوط، مذكّرا إياه بأنه السبب الذي جرّ اللعنة على طروادة. لكن التراجيديا الحقيقية كانت في ساحة المعركة فرغم غضبه العارم منه كان هكتور يتحوّل تلقائياً إلى درع بشري لأخيه كلما حمي الوطيس، مدفوعاً بغريزة الأخوّة التي تغلّبت على المنطق وبقناعة راسخة بأن عار البيت لا يغسله إلا تضحية الأقوياء من أبنائه حتى لو كان ذلك يعني أن يموت الأسد ليحيا الثعلب

تتجلّى إنسانية هكتور المفرطة في اللحظة التي سبقت نهايته عند بوابة سكيان هناك، التقى زوجته الحبيبة أندروماك وهي تحمل طفلهما الرضيع أستياناكس. بكت أندروماك وتوسّلت إليه ألّا يخرج قائلة إن شجاعته ستكون سبب هلاكه. نظر هكتور إليها بحزن العارف بمصيره قائلا هذا أعلمُه جيداً في قلبي وعقلي سيأتي يومٌ تسقط فيه طروادة المقدسة ويسقط بريام وشعبه… وما من شيء يؤلمني مثل أن أراكِ تُساقين أسيرة تبكين تحملين الماء في بلاد غريبة

وحين مدّ يده ليحمل ابنه صرخ الطفل خائفاً من الخوذة المرعبة ذات العرف الحصاني. هناك في وسط الجحيم، ضحك هكتور، وخلع خوذته رمز الحرب ووضعها على الأرض ليقبل ابنه كأب حنون، مصلياً للآلهة أن يكون ابنه أفضل منه، قبل أن يرتدي قناع الموت مجدداً ويغادر إلى الميدان.

في ساحة المعركة ارتكب هكتور خطأه القاتل والبطولي في آن واحد. حين رأى درع أخيل يلمع في المعركة على كتفيباتروكلوس صديق أخيل الحميم انقض عليه في قلب الالتحام. ساعـيا أبولو على إضعاف باتروكلوس ثم طعنه هكتور فأسقطه، لتكون هذه الضربة الشرارة التي أيقظت إعصاراً لم تعرف له طروادة مثيلاً.

في تلك اللحظة أدرك هكتور أن الوحش قد استيقظ. لقد قتل أحبّ الناس إلى قلب أعظم محارب في جيش الإغريق، فزال الحاجز الأخير الذي كان يمنع أخيل من العودة إلى ساحة الحرب. في نص هوميروس، يلفظ باتروكلوس نفسَه الأخير متنبئاً بأن هكتور لن ينجو هو الآخر، وأنه سيسقط أمام رماح أخيل.

حين عاد أخيل إلى الميدان هرب الجيش الطروادي كله داخل الأسوار، إلا رجلاً واحداً. بقي هكتور وحيداً خارج البوابة حين رأى أخيل قادماً نحوه كالإعصار، يتوهّج بنار الانتقام دبّ الرعب في قلبه. تروي الإلياذة أنه فرّ وركض حول أسوار المدينة ثلاث مرات، لأنه أدرك فجأة ضآلة البشر أمام أنصاف الآله

لكنّه في النهاية توقّف. استعاد أنفاسه، وقرّر أن يواجه قدره دعا إلى اتفاق نبيل: الفائز يكرم جثة الخاسر ويسلّمها لأهله لكن أخيل الذي تجرد من إنسانيته تحت وطأة الحزن والغضب 

 رفض معلنا أن الذئب والحمل لا يتصالحان، وأن بينه وبين هكتور دماً لا يمحوه عهد. قاتل هكتور بشرف، لكن الرمح الإغريقي، الموجّه هذه المرة بعين أثينا التي خدعته اخترق جسده. سقط هكتور، وكانت من آخر كلماته تحذيرٌ لأخيل بأن الآلهة لن تترك هذا الدم بلا ثمن، وأن يوماً سيأتي عند بوابة سكيان ذاتها حيث سيلقى نفس المصير

ظنّ الجميع أن أخيل بانتصاره قد أذلّ هكتور. لكنه لم يكتف بذلك، حيث ربط جثة الأمير بعربته وجرّها في الغبار حول أسوار طروادة أمام عيني والده وزوجته، في مشهدٍ سجّلته الإلياذة علامةً على تحوّل البطل إلى آلة انتقام عمياء. ولكن، ولسبب ما، كلما بالغ أخيل في التنكيل بالجثة، ازداد هكتور سموّاً في عيون البشر والآلهة، وازداد أخيل وحشيةً في عيونهم

لم يحتمل الأب ذلك المنظر. تسلّل الملك العجوز بريام ليلاً إلى خيمة أخيل، وقبّل يدي قاتل ابنه متوسلاً استعادة الجثة. بعد إلحاح ودموع .لان قلب أخيل أخيراً، وقَبِل بأن يردّ الجسد إلى أهله لتُقام له جنازة تليق بأعظم حماة طروادة. وهنا تنتهي الإلياذة، بجنازة هكتور لا بموت أخيل.

أما نبوءة هكتور الأخيرة، فقد وجدت اكتمالها في الأساطير اللاحقة، حيث لا تحكي الإلياذة كيف مات أخيل، لكنها تترك ظلّ موته معلّقاً في الأفق

 وفي ختام هذه الملحمة، تحققت نبوءة هكتور الأخيرة التي همس بها وهو يلفظ أنفاسه، وبأكثر الطرق سخرية وعدالة. فـ أخيل الذي لم يقو سيف هكتور ولا رماح طروادة المجتمعة على خدشه، لم يسقط في نزال بطولي وجهاً لوجه كما كان يشتهي، بل سقط بسهمٍ غادر أُطلق من بعيد. عند نفس بوابة سكيانالتي ودع عندها هكتور عائلته، وقف باريسالذي طالما احتقره الجميع ووتر قوسه، لتوجه يد الإله أبو لو السهم بدقة مميتة نحو “كعب أخيل ونقطة ضعفه الوحيدة. فتهاوى الوحش البشري صريعاً في الغبار على يد الأخ المدلل الذي عاش طويلاً في ظل شقيقه الأكبر وخصمه الأعظم

من الادب العالمي

من الادب العالمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *