إياكم وزيادة جرعة الدواء
بقلم/ محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما أما بعد فلكن جميعا أيها المسلمون الموحدون مع الله إذا إنطلقت السفينة بعيدا في البحر اللجيّ وهبّت الزوابع وتسابقت الرياح وتلبدّ الفضاء بالسحب، وإكفهر وجه السماء، وأبرق البرق، وأرعد الرعد وكانت ظلمات بعضها فوق بعض، ولعبت الأمواج بالسفينة، وبلغت القلوب الحناجر، وأشرفت على الغرق، وتربص الموت بالركّاب، وإتجهت الأفئدة وجأرت الأصوات، يا الله يا الله، فجاء عطفه، وأشرق ضياؤه في الظلام الحالك، فأزال المهالك، فلكن جميعا أيها المسلمون الموحدون مع الله إذا حلقت الطائرة في الأفق البعيد، وكانت معلقة بين السماء والأرض، فأشّر مؤشر الخلل.
وظهرت دلائل العطل، فذعر القائد، وإرتبك الركاب، وضجت الأصوات، فبكى الرجال، وصاح النساء، وفُجع الأطفال وعم الرعب، وخيم الهلع، وعظم الفزع، ألحّوا في النداء، وعظم الدعاء، يا الله يا الله، فأتى لطفه وتنزلت رحمته، وعظمت منّته، فهدأت القلوب وسكنت النفوس وهبطت الطائرة بسلام، إنه الله جل جلاله، وإعلموا أن زيادة جرعة التخدير أو زيادة حصة الدواء تؤدي إلى آثار سيئة وعواقب وخيمة، وهكذا كل ما زاد عن حده في أي قضية، وعلى رأسها قضية الترفيه، فإن زيادة جرعة الترفيه في تربية تؤدي إلى آثار لا شك أن المربين والمربيات قد اكتووا لظاها، وتجرعوا مرارتها، ومن أبرزها وأولها ضعف الاهتمام بالعبادات والتكاسل في أدائها، نسيان الآخرة والتعلق بالدنيا، ضعف مراقبة الخالق عز وجل، ضياع ساعات العمر فيما يجلب الحسرات وتتابع الندامات.
ولزيادة جرعة الترفيه صور في واقعنا منها وهو ما نراه من الإفراط المتناهي في المآكل والمشارب والملبوسات، والأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية، والمركوبات الفارهة، وغير ذلك مما هو مشاهد وملموس، ومنها أيضا الدلال الزائد للمتربين، والخوف الزائد عليهم، والتساهل في التوجيه المستمر، والمتابعة الدائمة في أداء العبادة والقيام بها، فتجد بعض الآباء يترك ولده نائما عن الصلاة بحجة راحته وعدم إزعاجه، وتجد بعض المناشط التربوية يكثرون من البرامج الترفيهية مما أدى إلى هشاشة في المخرجات، فيا أيها المربي، ويا أيتها المربية، أُدرك تماما حرصكم على تربية الأجيال والأبناء، بل أدرك تفانيكم في بذل ما تملكون من أجل إسعادهم، وإدخال السرور عليهم، وأدرك استشعاركم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما.
“كلكم راع ومسؤول عن رعيته” لكن التربية الجادة ليست سهلة، وخصوصا في زماننا الذي مُلئ بالمغريات، وليس المراد محاربة الترفيه وإغلاق بابه بالكلية وإنما المراد الاقتصاد والاعتدال والتوسط في كل أمور الحياة، وعدم تعلق وركون القلب للترف والدلال الزائد الذي يجر على الأجيال ويلات وويلات إن لم يتصد لها المربون والمربيات بحزم صادق، وتربية واعدة ناضجة، وتوجه سديد قويم جاد، لانفرط ذلكم العقد، وضاع الجهد، وإن على المربين والمربيات واجبا تجاه فئات المجتمع وأطيافه المتنوعة، وعليهم أن يركبوهم في سفينة النجاة للوصول بهم إلى شواطئ النجاح والأمان والفلاح والرشاد، وقيل أن رجل تزوج بامرأة سرا عن زوجته الأولى، ثم بعد فترة توفي هذا الرجل، وعلمت المرأة عن زواج زوجها، فقامت بأخذ نصيبها في الميراث، وذهبت إليها لتعطيها إياه.
ولكن المفاجأة أن هذه الزوجة الثانية لم تأخذ ما يخصها من الميراث على الرغم من وفاة الزوج، وذلك لأن زوجها طلقها قبل وفاته، فانظر روعة هاتين المرأتين، وأمانتهما في إيصال الحقوق لأصحابها، على الرغم بإمكان الأولى المماطلة، والتسويف في عدم إعطاء ضرتها من الميراث بأية حجة من الحجج، وبإمكان الزوجة الثانية تخفى طلاقها، وتأخذ نصيبها من ميراث زوجها المتوفى، ولكن هي الأمانة.
إياكم وزيادة جرعة الدواء


