الرئيسيةمقالاتإعادة هندسة التعليم في مصر لصناعة الإنسان وبناء الاقتصاد ودعم الصناعة
مقالات

إعادة هندسة التعليم في مصر لصناعة الإنسان وبناء الاقتصاد ودعم الصناعة

إعادة هندسة التعليم في مصر لصناعة الإنسان وبناء الاقتصاد ودعم الصناعة

إعادة هندسة التعليم في مصر لصناعة الإنسان وبناء الاقتصاد ودعم الصناعة

د. مدحت يوسف

 

في ظل الزخم العالمي المتسارع والتحولات العميقة التي يشهدها العالم في المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد لم يعد التعليم خيارا تنمويا بل أصبح قضية أمن قومي وأداة رئيسية لصناعة الحياة وبناء الإنسان القادر على حماية وطنه والمساهمة في تقدمه. إن تطوير التعليم في مصر يجب أن ينطلق من رؤية علمية شاملة وعميقة تعالج الجذور لا الظواهر وتؤسس لمنظومة مستقرة وعادلة وقادرة على الاستمرار بعيدا عن الحلول الجزئية أو القرارات المؤقتة.

إن تعدد النظم والبرامج التعليمية داخل منظومة التعليم قبل الجامعي أدى إلى تباين واضح في جودة المخرجات وإلى غياب العدالة التعليمية وتشتت الهوية الوطنية للتعليم. ومن هنا تبرز أهمية وجود نظام تعليمي وطني موحد تمتلكه الدولة بالكامل وتتولى تطويره وتحديثه وفق معايير عالمية واضحة مع الحفاظ على خصوصية المجتمع المصري واحتياجاته. هذا النظام الموحد يجب أن يكون المرجعية الأساسية للتعليم وأن يطبق على الجميع بما يضمن تكافؤ الفرص وتوحيد المعايير وجودة المخرجات. أما النظم الأخرى فيمكن خصخصتها والعمل بها في إطار منظم وتحت رقابة الدولة بحيث تكون داعمة ومكملة لا بديلة ولا منافسة للنظام الوطني.

إن إعادة تطبيق نظام البكالوريا في هذا التوقيت تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح لكنها تحتاج إلى إطار أشمل يحكم المنظومة التعليمية بأكملها ويضمن تكاملها واستمراريتها. فالتعليم لا يبدأ في مرحلة ولا ينتهي في أخرى بل هو مسار متصل يجب أن يدار برؤية واحدة من الطفولة المبكرة وحتى الالتحاق بسوق العمل.

ومن هذا المنطلق يصبح من الضروري إعادة النظر في الهيكل المؤسسي لإدارة التعليم من خلال دمج وزارة التربية والتعليم مع وزارة التعليم العالي في وزارة واحدة معنية بالتعليم الشامل. هذا الدمج من شأنه أن يقضي على الفجوة القائمة بين التعليم المدرسي والجامعي ويحقق اتساقا حقيقيا بين المناهج وأهداف التعلم ومتطلبات الجامعات وسوق العمل كما يضمن تخريج أجيال تمتلك المعرفة والمهارة والقدرة على التكيف مع متغيرات العصر.

وفي المقابل فإن التعليم الفني يحتاج إلى رؤية مستقلة وإدارة متخصصة. فالتعليم الفني ليس مسارا بديلا أو أقل شأنا بل هو العمود الفقري لأي نهضة صناعية حقيقية. الدول التي نجحت في بناء اقتصاد قوي لم تفعل ذلك إلا من خلال تعليم فني متطور مرتبط مباشرة بالصناعة والإنتاج والتكنولوجيا. ومن هنا تأتي أهمية إنشاء هيئة مستقلة للتعليم الفني تكون مهمتها الأساسية ربط التعليم الفني بخطط الدولة الصناعية واحتياجات سوق العمل الفعلية وتوجيه الطلاب إلى تخصصات تخدم الاقتصاد الوطني وتستثمر الموارد الطبيعية للوطن.

إن التعليم الفني هو القادر على توفير فنيين مهرة وعمالة مدربة تشكل الأساس الحقيقي للصناعة الوطنية. وبدون تعليم فني قوي لن تنجح أي خطط للتصنيع أو التوسع الصناعي أو توطين التكنولوجيا. تطوير التعليم الفني يعني تطوير المصانع وزيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي وفتح آفاق التصدير وخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة. لذلك يجب أن يحظى التعليم الفني بدعم تشريعي ومالي وإعلامي يعيد له مكانته المجتمعية ويغير النظرة النمطية السلبية عنه.

ولا يمكن لأي إصلاح تعليمي أن ينجح دون وجود هيئة عليا للتخطيط التعليمي تعمل تحت إشراف القيادة السياسية ووزارة التخطيط وتكون مسؤولة عن وضع استراتيجية وطنية طويلة المدى للتعليم تلتزم بها الدولة بمؤسساتها المختلفة. هذه الهيئة تضع الأهداف والمعايير وتحدد المسارات وتتابع التنفيذ بينما تقوم وزارة التعليم بدورها التنفيذي وفق خطط واضحة ومؤشرات أداء دقيقة.

إن التعليم لا يدار بقرارات متفرقة تتغير بتغير المسؤولين بل يحتاج إلى قوانين حاكمة مستقرة تنظم العملية التعليمية بشكل مؤسسي يضمن الاستمرارية ويحمي أي مشروع تطوير من التراجع أو الإلغاء. كما أن تطوير التعليم يتطلب إعادة هيكلة حقيقية للجهاز الإداري والدفع بقيادات جديدة تمتلك الفكر والرؤية والقدرة على اتخاذ القرار مع إنهاء حالة الجمود الإداري التي عطلت التطوير لسنوات طويلة.

ورغم امتلاك مصر لمناهج قوية خاصة في المواد العلمية فإن التحدي الحقيقي يكمن في أسلوب التطبيق وربط المعرفة بالحياة وباحتياجات المجتمع والاقتصاد. التعليم يجب أن يصنع عقلا مفكرا وشخصية متوازنة ومهارة قابلة للتطبيق لا مجرد حفظ أو اجتياز امتحان.

كما أن توفير بيئة تعليمية آمنة ومستقرة هو شرط أساسي لنجاح أي منظومة تعليمية. المعلم والمتعلم وولي الأمر يشكلون مثلث العملية التعليمية وأي خلل في أحد أضلاعه ينعكس سلبا على الجميع. المعلم يحتاج إلى دعم وتقدير وحماية والمتعلم يحتاج إلى تعليم عادل ومحفز وولي الأمر يحتاج إلى الثقة والوضوح والمشاركة.

إننا بحاجة إلى منظومة تعليمية تكاملية تبدأ من سن مبكرة وترافق الطالب في مسار واضح ومتصل حتى تخرجه ودخوله سوق العمل وهو يمتلك علما نافعا ومهارة حقيقية وقيما راسخة. تعليم يواكب العصر ويحافظ على الهوية ويخدم أهداف الدولة التنموية.

إن تطوير التعليم هو الطريق الأقصر لبناء الجمهورية الجديدة وتحقيق رؤية القيادة السياسية ووضع مصر في مكانتها التي تستحقها عالميا. فبالتعليم نصنع الإنسان وبالإنسان نبني الوطن وبالوطن القوي نضمن حياة كريمة للأجيال القادمة.

إعادة هندسة التعليم في مصر لصناعة الإنسان وبناء الاقتصاد ودعم الصناعة

إعادة هندسة التعليم في مصر لصناعة الإنسان وبناء الاقتصاد ودعم الصناعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *