الرجل والمنصب… حين تصنع الأخلاق القيمة أو يفضح الطمع الحقيقة
بقلم : محمد عزوز
المناصب في جوهرها ليست وجاهة ولا سلطة، وإنما مسؤولية ثقيلة تمس حياة الناس بشكل مباشر، فالمنصب لا يمنح صاحبه قيمة تلقائيًا، بل الإنسان هو من يرفع المنصب أو يهينه. وحين يتولى الموقع العام شخصٌ يتقي الله في عمله، ويؤمن بأن العدل أساس الحكم، يتحول المنصب إلى وسيلة خدمة وبناء، ويصبح احترام الناس له نابعًا من الثقة لا من الخوف.
فالمدير، حين يدير مؤسسته بعقلية القائد لا المتسلط، ويعامل العاملين معه بالعدل، ويكافئ المجتهد، ولا يستخدم سلطته في تصفية الحسابات أو تعطيل المصالح، يخلق بيئة عمل تحفظ كرامة الإنسان وترفع من كفاءة العمل. أما حين يتحول المنصب الإداري إلى أداة تعالٍ ومحسوبية، يصبح العمل ساحة صراعات، وتضيع الحقوق، ولا يبقى حول المدير سوى أصحاب المصالح والمنافقين.
ويبرز نموذج الموظف الكبير المرتشي، الذي أُوكلت إليه مصالح الناس اليومية، فإذا به يحوّل المنصب من خدمة عامة إلى بوابة ابتزاز صريحة. يتعمد تعطيل الأوراق، وتأخير التوقيعات، وعرقلة الإجراءات، حتى تصبح الرشوة هي المفتاح الوحيد لإنهاء أبسط المعاملات. هذا النوع من الفساد لا يسرق المال العام فحسب، بل يهدم ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويزرع شعورًا عامًا بالقهر، ويجعل القانون يبدو وكأنه حكر على من يملك الدفع.
أما العمدة، فمكانته تنبع من حكمته وعدله بين الناس، وقدرته على احتواء الخلافات وفض النزاعات دون تحيز أو مصلحة. وحين يحكم العمدة بالعدل، يصبح صمام أمان اجتماعي، لكن حين يُدار المنصب بمنطق النفوذ والقرابة والمال، تتحول الخلافات البسيطة إلى أزمات، ويُستبدل العُرف العادل بتجارة المصالح، فيفقد المنصب معناه وهيبته.
ولا يقل خطرًا عن ذلك رجل الدين حين يسيء استخدام مكانته، فيحوّل المنبر من موضع هداية إلى وسيلة نفوذ أو تبرير للباطل، أو يتقرب من السلطة والمال على حساب الحق، فيربك وعي الناس ويشوّه صورة الدين نفسه. أما رجل الدين الصادق، الذي يقول كلمة الحق ولا يبيع فتاواه، فيبقى مرجعًا محترمًا، حتى وإن خسر الدنيا، لأنه كسب ضمير الناس.
ويمتد الأمر إلى مدير المستشفى أو المسؤول الصحي، الذي تتعلق بقراراته حياة البشر. فإذا اتقى الله في مرضاه، ووفّر الخدمة بعدل، ورفض التمييز بين غني وفقير، أصبح وجوده رحمة حقيقية. أما إذا تحوّل المنصب إلى تجارة، تُقدَّم فيها الرعاية لمن يدفع، وتُهمل فيها أرواح لا تملك المال، فهنا تتحول المهنة الإنسانية إلى جريمة أخلاقية لا تُغتفر.
وتبقى المسؤولية الكبرى على عضو مجلس النواب، الذي يفترض أن يكون صوت الناس الحقيقي، ينقل معاناتهم، ويدافع عن حقوقهم، ويسعى للتشريع والرقابة والخدمة العامة. فإذا اختزل النائب دوره في الوجاهة أو المصالح، انقطعت صلته بالشارع، وسقط من حسابات الناس، لأن المقاعد لا تصنع رجالًا، بل الرجال هم من يمنحونها قيمتها.
وعلى النقيض تمامًا، يظل صاحب المنصب الطيب ذو الاخلاق المتواضع مثالًا نادرًا لكنه مؤثر، ذلك الذي يؤدي عمله بضمير حي، ينهي مصالح الناس دون مقابل، ويحترم كبار السن والبسطاء، ويخشى الله في توقيعه قبل أن يخشى رؤساءه. هذا الموظف، رغم بساطة منصبه، يترك أثرًا أعظم من أصحاب الكراسي الكبيرة، لأن الناس لا تنسى من خدمها بصدق.
وفي النهاية، يظل المنصب عابرًا مهما طال، لا يحمي صاحبه من حكم الناس ولا من حساب التاريخ، فالناس لا تحفظ الألقاب بل تحفظ المواقف، ولا تتذكر المواقع بل تتذكر كيف استُخدمت السلطة. من اتقى الله في منصبه زانه وجمّله، وخرج منه مرفوع الرأس، ومن استغله في الظلم والتربح سقط في أعين الناس قبل أن يسقط الكرسي من تحته، ولن يبقى له سوى سيرة إما طيبة تُخلّد، أو سوداء تطارده ما بقي اسمه.
الرجل والمنصب… حين تصنع الأخلاق القيمة أو يفضح الطمع الحقيقة


