الأسد الناري
محمود سعيد برغش
لم تكن الصحراء يومًا أرضًا صامتة،
كانت تتكلم… لكن لا يسمعها إلا من تعلّم الإصغاء.
وفي زمنٍ تآكلت فيه القلوب قبل الخيام،
عاشت قبيلتان كبيرتان تتقاسمان الرمل ولا تتقاسمان الحكمة:
الزغابة والقتاتة.
حربٌ بلا بداية،
وثأرٌ بلا نهاية.
كانت الدماء تُراق باسم الشرف،
والأطفال يكبرون وهم يحفظون أسماء القتلى أكثر من أسماء النجوم
أما الأعداء الغرباء،
فكانوا يقفون بعيدًا،
كذئابٍ تنتظر أن يتعب القطيع.
في هذا الزمن وُلد سالم بن نيران.
لم يولد سيدًا،
بل خادمًا في بيت شيخ القبيلة.
غير أن النار لا تسأل عن النسب حين تختار من تسكنه.
كان إذا غضب،
لمع في عينيه شيء يشبه اللهب،
وإذا سكت،
أحسّ من حوله أن الصحراء تفكر.
سمّوه الأسد الناري،
ولم يعترض.
كبر سالم وهو يرى الموت أقرب من الحياة،
ويرى الرجال يعودون من المعارك أقل عددًا،
وأكثر قسوة.
وحين قُتل سيده غدرًا،
قالوا له:
انسَ… أو انتقم.
لكنه لم يفعل أيًّا منهما.
كان الليل صديقه الوحيد.
يخرج إلى أطراف الرمل،
ينصت للريح،
ويرى في منامه نارًا تتشعب،
وفي أعلاها نسرًا أسود يضحك.
وكان هناك رجل آخر…
مراد الصقر.
قوي، محبوب،
لكنه كان يرى في سالم خطرًا لا يشبهه،
خطر الفكرة.
وفي ليلةٍ بلا قمر،
قرب الواحة،
التقى سالم بمن لم يكن يجب أن يلتقيها:
ليلى القتاتية.
لم يحمل أحدهما سيفه أولًا.
تكلّمت هي،
كأنها تعرفه منذ زمن:
“لسنا أعداء…
نحن وقود.”
قالت له إن الغرباء يحرّكون الخيوط،
وإن الفتنة تأكل القبائل واحدةً واحدة.
تذكّر سالم حينها آيةً كان قد سمعها قديمًا دون أن يفهمها:
﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾
وفهم.
بدأ الأسد الناري طريقًا لم يسلكه أحد قبله.
لم يحمل راية قبيلة،
بل حمل وجع الصحراء.
ذهب إلى القبائل الصغيرة قبل الكبيرة،
تلقى الرفض،
والسخرية،
والتهديد.
قالوا:
“كيف نتبع خادمًا؟”
فأجاب بهدوء:
“النجاة لا تحتاج نسبًا.”
حين هاجم الأعداء إحدى القبائل المنسية،
ولم يتحرك أحد،
وقف سالم في قلب الجمع وقال:
“بئس ما صرنا إليه…
نختلف حتى يُؤكل بعضنا،
ثم نسأل من خان.”
كانت كلماته أثقل من السيوف.
وببطء…
اجتمعت القلوب قبل الخيول.
وحين اندلعت الحرب الكبرى،
لم يكن النصر صاخبًا،
كان ضروريًا فقط.
سقط الأعداء،
وتنفست الصحراء.
لكن الخيانة…
لا تحب النهايات النظيفة.
في ليلة الاحتفال،
حين خفّت الحراسة،
اقترب مراد الصقر من الأسد الناري.
لم ينظر في عينيه.
طعنه من حيث لا يُرى الطعن.
سقط سالم على الرمل،
والنار في صدره تخبو،
لكنها لم تنطفئ.
اقتربت ليلى،
وقال بصوتٍ كأنه ريح:
“إن تفرّقتم بعدي…
فستأكلكم النار التي أشعلتها لأجل خلاصكم.”
ثم سكن.
لم يُدفن سالم كزعيم،
ولا ذُكر كمنتصر.
لكنه صار حكاية.
يقولون إن الصحراء،
حين تختلف القبائل،
ترسل ريحًا ساخنة…
ويقول الشيوخ:
“تلك أنفاس الأسد الناري،
يذكّرهم أن الوحدة
كانت ممكنة.”
الأسد الناري

—

