تصعيد حلب يفتح باب التدخل التركي
كتب/ ضاحى عمار
مع تصاعد الاشتباكات في محافظة حلب وامتدادها شرقًا إلى دير الزور، عاد المشهد السوري ليتصدر واجهة القلق الإقليمي، في توقيت بالغ الحساسية سياسيًا وأمنيًا. فالتوتر المتجدد بين قوات سوريا الديمقراطية «قسد» والقوات الحكومية لم يعد مجرد مواجهة محدودة، بل تحوّل إلى اختبار مباشر لتوازنات القوة، وورقة ضغط إقليمية تراقبها أنقرة عن كثب، وتستعد للتدخل إذا ما فُتح لها الباب رسميًا.
ويكشف المشهد الميداني عن تصعيد غير مسبوق، بعدما استخدمت «قسد» أسلحة ثقيلة في قصف أحياء سكنية ومنشآت مدنية داخل مدينة حلب، ما أسفر عن سقوط قتلى ومصابين ونزوح آلاف المدنيين، في تطور أعاد للأذهان سيناريوهات الفوضى التي حاولت دمشق احتواءها خلال الأشهر الماضية. هذا الواقع الميداني وفّر لأنقرة، بحسب مراقبين، مبررًا أمنيًا جاهزًا لإعادة طرح خيار التدخل العسكري تحت شعار حماية الأمن القومي التركي.
وتعكس التصريحات الصادرة من أنقرة استراتيجية محسوبة بدقة. فوزارة الدفاع التركية سارعت للتأكيد أن العملية في حلب نُفذت بالكامل بواسطة الجيش السوري، مع التشديد على أن تركيا مستعدة لتقديم الدعم إذا طُلب منها ذلك رسميًا. هذا الموقف، وإن بدا حذرًا في صياغته، يحمل رسالة مزدوجة: نفي التورط المباشر من جهة، وإبقاء اليد على الزناد من جهة أخرى.
ويرى اللواء شبل عبد الجواد، رئيس الشرطة العسكرية سابقًا ورئيس هيئة مكافحة الإرهاب في المنطقة العربية، أن “التحركات التركية ليست رد فعل آني، بل جزء من عقيدة أمنية ثابتة تعتبر أي تمدد كردي مسلح قرب الحدود تهديدًا مباشرًا”. ويضيف أن أنقرة تفضل دائمًا الغطاء السياسي أو الطلب الرسمي قبل أي تدخل، لكن هذا لا يعني غياب الجاهزية العسكرية.
سياسيًا، يأتي التصعيد في لحظة دقيقة بالنسبة لإدارة الرئيس السوري أحمد الشرع، التي تحاول تسويق نفسها داخليًا وخارجيًا كسلطة قادرة على فرض الأمن والحفاظ على وحدة الدولة. غير أن تجدد القصف وتعليق الدراسة في المدارس والجامعات، واتساع رقعة النزوح، يضع هذه الصورة تحت ضغط حقيقي، ويمنح خصومها هامشًا للتشكيك في قدرتها على إدارة التوازنات الداخلية المعقدة.
ويشير محللون سياسيون إلى أن الموقف التركي يجد دعمًا ضمنيًا من حالة الجمود القائمة بين دمشق و«قسد»، خاصة مع تعثر تنفيذ اتفاق اندماج القوات الكردية في مؤسسات الدولة. فأنقرة تصنف هذه القوات كتنظيمات إرهابية، وتعتبر أن أي تأخير في حل هذا الملف يفتح الباب أمام خيار القوة، لا سيما إذا تزامن مع تهديد مباشر للأمن الحدودي.
ولا يمكن فصل المشهد عن البعد الإقليمي الأوسع، مع دخول إسرائيل على خط الأزمة سياسيًا وأمنيًا، ما يرفع منسوب التعقيد ويحوّل حلب إلى ساحة تقاطع مصالح لا تقل خطورة عن جبهات أخرى في الإقليم. وفي هذا السياق، يحذر خبراء من أن أي تدخل تركي، حتى لو جاء بطلب سوري، قد يفتح فصلًا جديدًا من إعادة رسم مناطق النفوذ شمال سوريا.
وسط كل ذلك، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، يدفعون ثمن صراع تتداخل فيه الحسابات المحلية بالإقليمية، بينما تظل حلب، المدينة التي أنهكتها الحرب، على حافة تصعيد قد يتجاوز حدودها، ويعيد خلط أوراق المشهد السوري بأكمله.
تصعيد حلب يفتح باب التدخل التركي


