الرئيسيةمقالاتمن الغربة إلى الوطن… حين يصبح الاستثمار حكاية انتماء
مقالات

من الغربة إلى الوطن… حين يصبح الاستثمار حكاية انتماء

من الغربة إلى الوطن… حين يصبح الاستثمار حكاية انتماء

من الغربة إلى الوطن… حين يصبح الاستثمار حكاية انتماء

بقلم / د.علي الدكروري 

 

الغربة لا تُقاس بطول الطريق، ولا بعدد السنوات، بل بثقل الحنين في القلب.

هي لحظة وعي متأخرة، نكتشف فيها أن الوطن لم يكن يومًا مجرد مكان نغادره، بل معنى يسكننا مهما ابتعدنا. خرجتُ طالبَ علمٍ وعمل، أبحث عن الفرصة، وأسعى لتطوير الذات، واقتحام آفاق جديدة، فاكتشفت أنني كنت أحملها داخلي منذ البداية. لم أرَ مصر يومًا كخريطة على جدار، بل كقلب نابض يسكنني، وكعُمرٍ كامل لا يمكن استبداله.

في الغربة تعلّمت أن النجاح لا يأتي صدفة، وأن العمل الحقيقي يبدأ حين يغيب الرقيب، وحين تصبح مسؤولًا عن نفسك بالكامل. تعلّمت أن الوقت هو الثروة الأولى، وأن المعرفة رأس مال لا يخسر، وأن النظام والالتزام ليسا قيودًا، بل مفاتيح للحرية.

هناك، بعيدًا عن الوطن، نضج وعيي، واتّسعت رؤيتي للعالم، وتغيّرت طريقة تفكيري في العمل والاستثمار والحياة.

ورغم كل ما تعلمته وحققته، ظل شعور خفي يرافقني: أن النجاح خارج الوطن يظل ناقصًا ما لم يجد طريقه للعودة.

مصر لم تغب عني يومًا؛ كانت حاضرة في لغتي، في ذاكرتي، في قلبي، وفي تفاصيل صغيرة لا يلاحظها إلا من ابتعد طويلًا. في طريقة حديثي، وفي إحساسي بالأمان حين أسمع اسمها، وفي شوقٍ صامت لا يحتاج إلى تفسير. هي طفولتي، وأحلامي الأولى، والشوارع التي صنعت وعيي قبل أن أعرف معنى الوعي ذاته.

لذلك، حين فكّرت في الاستثمار، لم أنظر إليه كصفقة، ولا كمجرد أرقام تُدار بعقل بارد. رأيته مسؤولية، وموقفًا، وردًّا للجميل. رأيته محاولة صادقة لتحويل خبرة الغربة إلى قيمة مضافة، ولأن يصبح ما تعلمته هناك قوة تُزرع هنا.

الاستثمار بالنسبة لي هو استثمار في الإنسان، في المعرفة، في بناء فرص حقيقية، وفي إيمان عميق بأن الوطن يستحق أن نعود إليه أقوى، لا أن نكتفي بالنجاة بعيدًا عنه.

الوطن لا يحتاج إلى شعارات، بل إلى عمل واعٍ، ونَفَس طويل، وصبر حقيقي. يحتاج إلى من يفهمه، ويعرف تحدياته، ويؤمن بأن التغيير لا يأتي بضربة واحدة، بل بتراكم الجهد والإخلاص. وهذا ما علّمتني إياه الغربة: أن البناء الصادق يحتاج وقتًا، وأن الاستثمار الحقيقي هو الذي يترك أثرًا، لا ضجيجًا.

وها أنا أعود اليوم إلى بلدي…

لا عودة العابر، ولا عودة الباحث عن ربح سريع، بل عودة المنتمي الذي يعرف لماذا يعود، وماذا يريد أن يفعل. أعود بنفس الحب الذي خرجتُ به يومًا، وربما بشغف أكبر، ووعي أعمق، ومسؤولية أثقل. أعود لأردّ بعض ما زرعته فيّ مصر من قيم، ومن صبر، ومن إيمان بالعمل الشريف.

ولأن الغربة علّمتني، لم أعد أؤمن بالضجيج ولا بالنجاح السريع. تعلّمت أن الأوطان لا تُبنى بالعناوين الرنّانة، بل بالعقل الهادئ، والعمل الصامت، والإخلاص الذي لا ينتظر تصفيقًا. تعلّمت أن الاستثمار الحقيقي هو ذاك الذي يراعي الإنسان قبل الربح، ويصبر على الطريق قبل أن يحصد ثماره.

أدركت أن العودة إلى الوطن ليست قرارًا عاطفيًا فقط، بل اختيار واعٍ، ومسؤولية ثقيلة، وإيمان بأن مصر، رغم كل التحديات، قادرة على أن تُثمر لمن يزرع فيها بصدق. هنا، حيث الجذور، يكون للتعب معنى، وللصبر قيمة، وللنجاح طعم مختلف.

ولهذا عدت…

عدت لأنني أؤمن أن ما تعلّمته خارج الوطن لا يكتمل إلا داخله، وأن الخبرة التي لا تُردّ لأصلها تفقد روحها. عدت لأبدأ من جديد، لا من نقطة الصفر، بل من نقطة الوعي.

فالوطن لا ينتظر منا أن نُنقذه، بل أن نؤمن به، وأن نعمل لأجله بصدق، وأن نكون على قدر ما أعطانا.

ومصر… لم تكن يومًا مجرد مكان عشت فيه، بل معنى عشت به، وسأظل أختاره كل مرة؛ لأن الانتماء الحقيقي لا يبهت، ولأن العودة إليها ليست نهاية الرحلة، بل بدايتها الأصدق.

من الغربة إلى الوطن… حين يصبح الاستثمار حكاية انتماء

من الغربة إلى الوطن… حين يصبح الاستثمار حكاية انتماء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *