البراءة داخل جدران ميتة
بقلم: محمد عابدين الرعمي
قنا… المحافظة اللي اتربى فيها الرجولة والشهامة، واللي الناس دايما تقول إن فيها الأصل والعرض والقيمة… فجأة بتصحى على جريمة تهز الجبل قبل البشر، جريمة تقول إن القسوة ممكن تتولد حتى في البيوت اللي المفروض تكون حصن، وإن الظلم ممكن يخرج من أقرب الناس، وإن الموت أحيانا ما بيجيش من قدر… بيجي من بشر.
سارة بنت عندها 19 سنة… بنت كان المفروض حياتها لسه بتبدأ، أحلامها لسه زهر ما فتحش، قلبها لسه متعلمش الخوف، ودنياها لسه ما شافتش النور اللي كانت مستنياه… لكنها شافت الضلمة قبل كل حاجة، واتحبست جوه أوضة في بيت أبوها، بيت الأب اللي المفروض يحمي، اللي المفروض يخاف، اللي المفروض يكون سند… لكنه اختار يبقى السجن والسجان والسبب.
الأوضة اللي اتحبست فيها ما كانتش أوضة… كانت مقبرة محطوطة فوق الأرض، مقبرة بتنقص فيها الروح كل يوم شوية، وبتزيد فيها القسوة كل يوم شوية، وبيطلع فيها صوت جوع وأنين وكسرة… صوت ما وصلش لحد، مع إنه كان بيشق السكون زي السكين.
سارة كانت بتدبل ببطء… بتختفي بالتدريج…
بتنام في غرفة ريحتها وجع، وجدرانها شاهدة على صراع بين البقاء والموت.
أبوها منع عنها الأكل والشراب والرحمة، منع عنها حتى إنسانيتها، وسابها تواجه الجوع زي ما يواجه الحيوان في البرية… بس الفرق إن الحيوان بيلاقي أكل لو دور… وهي كانت محبوسة ما تقدرش تمد إيدها لشيء.
قنا كلها اتخضت، إزاي أب يعمل كده؟
إزاي قلب بني آدم يتحجر بالشكل ده؟
إزاي سمع صوت جوع بنته، صوت جسدها وهو بيتهز من الضعف، صوتها وهي بتصرخ من غير ما تطلع كلمة… ومع ذلك نام؟
إزاي الليل كان يعدي عليه وهو يعرف إنها بتموت في الضلمة؟
وإزاي الصبح كان ييجي عليه وهو لسه قادر يبص في وش الناس؟
الجريمة ما كانتش يوم ولا ليلة…
الجريمة كانت شهور طويلة، كانت موت متقطع، كان وجع مستمر، كان صبر جسم ضعيف وكسرة روح بريئة.
سارة ما خدتش حقها حتى في إنسانية بسيطة… كانت بتقضي حاجتها في حفرة اتحفرت جوا نفس الغرفة، وكانت بتنام جنبها، والخوف نايم جنبها، والجوع ماسك في ضهرها، والبرد بيعض جسمها الهازل.
والصمت؟
الصمت كان شريك كامل في الجريمة.
كل صوت انكتم…
كل عين شافت وسكتت…
كل باب كان بيتقفل ورا صرخة ما حدش حاول يسمعها…
كل ده كان جزء من موتها.
والأم اللي قلبها اتقطع…
اللي دخلت تسأل وتشوف وتطمن…
اتقابلت بكذب وتهرب وادعاءات علشان الحقيقة تفضل مدفونة، زي ما كانت بنتها مدفونة وهي عايشة.
لما الجثة خرجت… ما كانتش جثة بس.
كانت رسالة… كانت صرخة… كانت كتاب مفتوح مكتوب فيه:
أنا اتعذبت… اتجاعت… اتظلمت… ومحدش أنقذني.
كانت دليل على إن في حد قتل بنت بريئة مش بس بالجوع… لا… قتلها بالقسوة، بالسكوت، بالاختناق، باليأس.
والسؤال اللي بيدوس على القلب:
إزاي دا يحصل في قنا؟
البلد اللي معروف عنها إنها بلد نخوة ورجولة وستر؟
إزاي العرض اللي المفروض يصان… يتدفن بإيد الأب نفسه؟
اللي حصل مش حادثة…
اللي حصل جريمة تهز صعيد كامل، تهز الضمير، تهز البلد كلها.
والعدالة هنا مش رفاهية…
العدالة ضرورة…
القصاص مش رأي…
القصاص حياة لغيرها قبل ما يكون عقاب للقاتل
سارة ماتت… بس اللي قتلها لازم يتحاكم بقانون الأرض وقانون السما.
لازم المجتمع يصحى… لازم كل أم وأب يعرفوا إن الظلم ما بيعديش… وإن القسوة نهايتها سجن وعدالة وفضيحة.
سارة رحلت، لكن وجعها باقي…
قبرها ما كانش تحت التراب… كان جوه بيت أبوها
والقصاص هو الفاتحة الوحيدة اللي تستاهلها روحها
البراءة داخل جدران ميتة


