الرئيسيةمقالاتوهم من خشيتة مشفقون
مقالات

وهم من خشيتة مشفقون

وهم من خشيتة مشفقون

وهم من خشيتة مشفقون

بقلم / محمـــد الدكـــروري

إن من أكبر نعم الله سبحانه وتعالي علي الإنسان هو نعمة الوقت، وكان أحوال الصالحين مع الوقت أنهم كانوا يفاضلون بين المصالح وواجبات الوقت، وروى محمد بن قدامة قال “سمعت أبا يوسف يقول مات لي ابن، فلم أحضر جهازه ودفنه، وتركته على جيراني وأقاربي، مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني” وذكر السبكي في طبقات الشافعية الكبرى، في ترجمة الحافظ المنذري رحمه الله قال “وقد درس المنذري في دار الحديث بالكاملية، وكان لا يخرج منها إلا لصلاة الجمعة حتى إنه كان له ولد نجيب محدث فاضل، وكان أحد الأذكياء النبغاء الحفاظ، توفاه الله في حياته، فصلى عليه الشيخ داخل المدرسة، وشيعه إلى بابها، ثم دمعت عيناه، وقال أودعتك الله يا ولدي، وفارقة ولم يخرج من المدرسة” وإن العلماء هم أخشى الناس لله جل جلاله لأنهم أعلم وأعرف الناس بالله. 

قال سبحانه وتعالى ” إنما يخشي الله من عباده العلماء” وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله من كان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم، كان له أخشى وأتقى، وإنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله، والملائكة الذين هم في غاية الطاعة لله عز وجل قولا وفعلا، مشفقون من خشية الله جل جلاله حيث قال سبحانه وتعالى عنهم ” وهم من خشيتة مشفقون” وكثير من المسلمين يرتكبون المعاصي، ولا يحرك ذلك في قلوب بعضهم ساكنا، فتراهم لا يخافون من تلك المعاصي، ولا من آثارها وتبعاتها في الدنيا والآخرة، مع أن الواجب على المؤمن أن يخاف من ذنوبه، ويرى أنها عظيمة، كأنها جبل فوقه سيسقط عليه كما جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال “إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه. 

فقال به هكذا، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في قوله “إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن تقع عليه” قال ابن أبي جمرة السبب في ذلك أن قلب المؤمن منور، فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه، عظم الأمر عليه، والحكمة في التمثيل بالجبل، أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه، بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه في العادة، وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان، فلا يأمن العقوبة بسببها، وهذا شأن المسلم أنه دائم الخوف والمراقبة، يستصغر عمله الصالح، ويخشى من صغير عمله السيئ، قوله “وأن الفاجر يرى ذنوبه كذباب” أي ذنبه سهل عنده لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما ضرر الذباب عنده سهل، وكذا دفعه عنه، قال المحب الطبري إنما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله. 

ومن عقوبته لأنه على يقين من الذنب، وليس على يقين من المغفرة، والفاجر قليل المعرفة بالله، فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية، وقال ابن أبي جمرة السبب في ذلك أن قلب الفاجر مظلم، فوقوع الذنب عنده خفيف عنده، ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وعظ يقول هذا سهل، وقال ويستفاد من الحديث أن قلة خوف المؤمن ذنوبه وخِفته عليه، يدل على فجوره” وهذا الحسن البصري رحمه الله يقول رأيت أقواما وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يأسفون على شيء منها أدبر، ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب، ولقد كان الواحد منهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطو له ثوب، ولم يوضع بينه وبين الأرض شيء، ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط، فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم، يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم. 

ينادون ربهم في فكاك رقابهم، فإذا فعلوا حسنة تعبوا في شكرها، ورجوا الله أن يقبلها منهم، وإذا فعلوا سيئة أحزنتهم، ورجوا الله أن يغفرها لهم، فوالله ما سلموا من الذنوب، ولولا مغفرة الله ما نجوا، فرحمة الله عليهم ورضوانه.

وهم من خشيتة مشفقون

وهم من خشيتة مشفقون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *