
حين تُروى النصيحة لا تُفرض
بقلم أ غميص الظهيري
في الأزمنة الماضية لم تكن النصيحة كلمات عابرة بل كانت حكاية تحمل في طياتها حكمة وتجربة وكان الكبار يقدمونها بهدوء ووعي يعرفون متى يقولونها ومتى يتركونها تنضج في نفوس من يسمعونها
لم يكن التوجيه مباشرا أو صاخبا بل كان جزءا من المواقف اليومية حيث يجلس الجد بين أحفاده يحكي قصة بسيطة لكنها تحمل دروسا عميقة عن الصبر والأمانة وعواقب التسرع بينما كانت الجدة تقدم النصيحة في صورة كلمات دافئة تصل إلى القلب دون أن تفرض نفسها
وكانت العلاقة بين الناصح والمتلقي قائمة على الاحترام فلا يشعر الصغير أنه موضع لوم بل موضع اهتمام ولا يرى الكبير نفسه أعلى بل أكثر خبرة وهذا ما جعل النصيحة تصل بسهولة وتترك أثرا حقيقيا
كما أن النصيحة لم تكن متكررة بشكل يفقدها قيمتها بل كانت تقال مرة بصدق ثم تترك لتؤثر في النفس وهو ما منحها قوة وتأثيرا أكبر مقارنة بما نشهده اليوم من كثرة التوجيه التي قد تفقده معناه
واعتمد الكبار على القدوة قبل الكلام حيث يرى الطفل القيم في سلوك من حوله فيتعلمها دون توجيه مباشر لتصبح جزءا من شخصيته
وكان المجتمع كله شريكا في التربية حيث يتحمل الجميع مسؤولية بناء الأجيال بأسلوب راق يقوم على الحكمة لا التوبيخ وعلى الفهم لا الفرض
واليوم نحن بحاجة إلى استعادة هذا النهج الإنساني في تقديم النصيحة ليس بنقل الماضي كما هو بل بالاستفادة من روحه عبر تقديم خطاب أكثر هدوءا وصدقا يعتمد على الفهم والحكمة
فالقيمة الحقيقية للنصيحة لا تكمن في كلماتها فقط بل في أسلوب تقديمها وفي القلوب التي تتلقاها
حين تُروى النصيحة لا تُفرض
