الرئيسيةمقالاتحين سقطت كلفة الخطأ
مقالات

حين سقطت كلفة الخطأ

​حين سقطت كلفة الخطأ

بقلم: نعمة حسن

​لم يكن الكذب يومًا غريبًا عن البشر، ولم يخلُ عصرٌ من منافق، ولا مجتمعٌ من خائن، ولا بيتٌ من خطأ. فالشر لم يولد في زماننا، والنفوس لم تكن في الماضي كلها نقية ثم فسدت فجأة. لكن شيئًا أشد خطرًا من وجود الخطأ قد تغيّر في حياتنا: لقد سقطت كلفته.
​كان المخطئ قديمًا يرتكب فعلته وهو يعرف أن وراءها حسابًا لا تكتبه المحاكم، ولا تنص عليه القوانين، لكنه يسكن أعين الناس. كان يخشى أن يسقط من قلوبهم، وأن تفقد كلمته وزنها، وأن يدخل مجلسًا فيشعر أن فعلته دخلت قبله. لم تكن العقوبة دائمًا سجنًا أو غرامة؛ كانت أحيانًا نظرةً من أب، أو نفورًا من صديق، أو امتناعًا عن الثقة، أو سؤالًا صريحًا يضعه أمام نفسه فلا يجد مهربًا.
​وكان يكفي أن يقال: «اللي على راسه بطحة يحسّس عليها»، حتى يضطرب صاحب البطحة؛ لأنه كان يعرف أن عيبه ظاهر، وأن عليه أن يخفيه أو يبرره أو يعتذر عنه أو ينسحب خجلًا. أما اليوم، فقد بقيت البطحة، لكن اليد لم تعد تتحسسها، والوجه لم يعد يحمرّ، وصاحب الخطأ لم يعد يطأطئ رأسه؛ لأننا نحن الذين رفعناه له.
(وكان زمان نقول للكاذب: حط عينك في عيني، فكان لا يرفعها خجلاً وانكشافاً، أما اليوم فصار يرفع عينيه بثقة من يعلم أن من يواجهه سيتغاضى ويسامح بلا ثمن).
​لم تعد المشكلة أن الكاذب يكذب، بل أنه يكذب وهو مطمئن إلى أن الذين اكتشفوا كذبه سيواصلون مجالسته. ولم يعد الخطر أن المنافق يبدّل وجهه، بل أنه يفعل ذلك أمام من يعرفون وجهيه، ثم يجد منهم الابتسامة ذاتها والمصافحة ذاتها والمكان ذاته. ولم يعد الغادر يخشى أن يُعرف بالغدر؛ لأنه تعلّم بالتجربة أن الناس قد يغضبون يومًا، ثم ينسون، وقد يشتكون منه في غيابه، ثم يحتضنونه في حضوره.
​وهكذا لم يعد الخطأ يحتاج إلى أن يتخفّى.
نحن الذين منحناه الإقامة بيننا.
​لقد اعتدنا أن نقول عن صاحب السوء: «هو لم يفعل لي شيئًا، فلماذا أخسره؟» تبدو العبارة عاقلةً في ظاهرها، لكنها تخفي وراءها واحدًا من أخطر التحولات الأخلاقية: أن يصبح معيارنا الوحيد للحكم على الشر هو مقدار ما وصل إلينا منه شخصيًا. فلا يعنينا أن يكون الإنسان قد كذب على غيرنا، ما دام قد صدق معنا حتى الآن. ولا يزعجنا أنه خان صديقه، ما دام لم يخنّا بعد. ولا نرى في ظلمه للآخرين سببًا للابتعاد عنه، ما دمنا لا نزال في الجانب الآمن من ظلمه.
​لكن منذ متى كان الخطأ لا يصبح خطأً إلا حين يصل إلى بابنا؟
ومن قال إن الحريق الذي اشتعل في بيت الجار لن يبلغ بيتنا لمجرد أننا أغلقنا النافذة؟
​إن الذي يكذب على الناس لا يحمل في داخله صندوقًا مقسمًا يضع فيه كذبًا خاصًا بكل إنسان، ثم يستثني منه من يحب. والذي يغدر بصاحبه لم يتخلّق بالغدر للحظة عابرة ثم تخلّص منه، بل كشف موقفه عن معدنٍ قد يعيد إنتاج نفسه متى توافرت المصلحة. ومن يتلذذ بغيبة إنسان أمامك، لا يمنحه قربك منك طهارةً مفاجئة؛ بل لعل اسمك هو حديثه الممتع في مجلس آخر.
​نحن لا نرى التحذير لأننا ننتظر الضربة.
نرى الرجل يخون عهده مع غيرنا، ثم نمنحه عهدنا. ونراه يفضح أسرار من ائتمنه، ثم نفتح له أبواب أسرارنا. ونسمعه يشوّه من غاب عن مجلسه، ثم نفرح حين يخصنا بالمديح. وحين تصل إلينا الطعنة نفسها، نصرخ: لم أتوقع منه ذلك! مع أن الحقيقة كانت أمامنا منذ البداية، لكننا توهمنا أن فساد الخلق قد يكون انتقائيًا، وأن من اعتاد أكل حقوق الناس سيحفظ حقنا وحدنا، وأن العقرب قد يلدغ الجميع ثم يقرر أن يكون معنا حمامة.
​ليست السذاجة وحدها هي التي تدفعنا إلى ذلك، بل المصلحة والخوف والاحتياج إلى القبول. فنحن أحيانًا لا نعجز عن رؤية الخطأ، بل نعجز عن دفع ثمن رفضه.
​قد يكون المخطئ قريبًا نخشى غضبه، أو صاحب نفوذ نرجو منفعته، أو صديقًا لا نريد خسارته، أو فردًا في جماعة نحب أن نظل جزءًا منها. فنبدأ بتخفيف اسم الفعل قبل تخفيف حكمه. لا نقول: كذب، بل «لم يحسن التعبير». ولا نقول: نافق، بل «يعرف كيف يتعامل مع كل الناس». ولا نقول: غدر، بل «اختار مصلحته». ولا نقول: نمَّ واغتاب، بل «حكى ما حدث». ولا نقول: جبن عن قول الحق، بل «حكيم لا يدخل نفسه في المشكلات».
​وبعد أن نغيّر أسماء الأفعال، يصبح قبولها أسهل.
فاللغة ليست بريئة في انهيار الأخلاق. حين نمنح الرذيلة اسمًا ناعمًا، فإننا لا نصفها فقط، بل نخفّف وقعها في الضمير. يتحول النفاق إلى دبلوماسية، والتلوّن إلى مرونة، والخنوع إلى أدب، والصمت عن الظلم إلى حياد، والرياء إلى حسن ظهور، والكذب إلى ذكاء اجتماعي.
(وكأننا بالتمام نردد مع الواقع ذاك التعبير الذي يختصر الحكاية: “من كتر الناس اللي بميت وش.. وحشونا الناس اللي بوشين”، لنكتشف أننا صرنا نتنقل في زحام الأقنعة بلا وجه حقيقي نلقى الله به).
ثم نكتشف بعد سنوات أن القيم لم تسقط بضربة واحدة؛ بل ذابت ببطء داخل الكلمات التي استخدمناها كيلا نغضب أحدًا.
​وأعجب ما في الأمر أننا بتنا نغضب من صراحة الناصح أكثر مما نغضب من خطأ المنصوح.
إذا قال إنسان لصديقه: «لقد أخطأت»، قيل له: لماذا تجرحه؟ وإذا رفض مجالسة من عرف عنه الخيانة، اتُّهم بالتشدد. وإذا توقف عن الثقة بكاذب، قيل: سامح وتجاوز. أما صاحب الخطأ نفسه، فيُفتح له ألف باب للتبرير: ظروفه، وضغوطه، وطفولته، وغضبه، وسوء فهمه، ونقص خبرته. وكأن كل إنسان مطالبٌ بأن يفهم المخطئ، ولا أحد يطالب المخطئ بأن يفهم حجم ما فعل.
​نحن لا ندعو إلى القسوة، ولا إلى مطاردة الناس بزلاتهم، ولا إلى نفي المخطئ من الحياة. فالإنسان يخطئ، وقد يتوب، وأبواب الإصلاح لا يجوز إغلاقها. لكن ثمة فرقًا بعيدًا بين رحمةٍ تفتح طريق الرجوع، ومجاملةٍ تمحو معالم الطريق أصلًا. فرق بين سترٍ يحفظ كرامة التائب، وسترٍ يحمي المصرّ على أفعاله من نتائجها. فرق بين أن تمنح المخطئ فرصةً ليصلح نفسه، وبين أن تمنحه شهادة براءة لمجرد أنك لا تريد توتر العلاقة.
​التوبة الحقيقية يسبقها اعتراف، ويتبعها إصلاح. أما الذي ينكر خطأه، ويهاجم من واجهه، ثم يعود إلى المجلس مرفوع الرأس وكأن الناس هم الذين ظلموه، فهو لا يطلب سترًا؛ بل يطلب من المجتمع أن يشارك في تزوير الحقيقة.
​وأشد صور النفاق الاجتماعي أن يعرف الجميع ما حدث، ثم يتواطؤوا على التصرف كأنه لم يحدث.
يجلس الكاذب بينهم، فيبالغون في تصديقه. ويصافحون الخائن، ثم يحذر بعضهم بعضًا منه سرًا. ويبتسمون للمنافق، ثم إذا غادر أخذوا يعددون وجوهه. كل واحدٍ يعرف، وكل واحدٍ يعتقد أن الآخر لا يعرف، فتتحول المجالس إلى مسرح كبير: الممثلون فيه هم الجمهور، والجمهور يعرف أن الجميع يمثلون، ومع ذلك تستمر المسرحية.
​لماذا لا نقول ما نعرفه؟
لأن الصراحة أصبحت مكلفة، بينما النفاق يقدّم مكافآته سريعًا. الصريح قد يخسر مجلسًا، أما المنافق فيحتفظ بكل المجالس. الصريح يضع حدودًا، أما المتلون فيمر من كل الأبواب. الصريح قد يبدو حادًا لحظة، بينما المنافق يوزع على الجميع ما يحبون سماعه، ثم يأخذ منهم ما يريد.
​ولكن من الذي يخسر حقًا في النهاية؟
يخسر الصريح شخصًا أو علاقةً قد لا تستحق البقاء، بينما يخسر المنافق نفسه قليلًا قليلًا، حتى لا يعود يعرف أيَّ وجهٍ منها وجهه الحقيقي. ويخسر المجتمع معه؛ لأن كل مجاملة للباطل تخفض منسوب الثقة، وكل كذبة تمر بلا مواجهة تجعل الكذبة التالية أسهل، وكل خيانة بلا ثمن تعلّم المتردد أن الخيانة صفقة رابحة.
​الأخلاق لا تختفي فجأة. إنها تتآكل حين لا يعود للانحراف ثمن.
حين يرى الابن أن الكاذب محبوب، وأن الأمين هو الذي يدفع ثمن أمانته، ماذا سيتعلم؟ وحين يرى الموظف أن المتملق يترقى، بينما صاحب الكفاءة يبقى في مكانه، أي طريقٍ سيختار؟ وحين يشاهد الناس أن من يفضح ويغتاب ويزور الحقائق يظل مرغوبًا في المجالس، لماذا سيحمون ألسنتهم؟ نحن نربي الأجيال بما نكافئ، لا بما نقول في المواعظ.
​قد نتحدث ساعات عن الصدق، ثم نقرّب الكاذب لأنه يضحكنا.
وقد نمدح الوفاء، ثم نصادق من خان أعز الناس إليه لأنه ينفعنا.
وقد نتعوذ من النفاق، ثم نطالب أبناءنا أن يجامِلوا من لا يحترمون كي «تمشي الأمور».
الطفل لا يحفظ خطبة الأخلاق بقدر ما يحفظ ترتيب الأشخاص حول المائدة. يعرف من كرّمناه، ومن خشيناه، ومن سامحناه بلا اعتذار، ومن عاقبناه لأنه قال الحقيقة في توقيت لم يعجبنا. وحين يرى أن صاحب الباطل لم يخسر شيئًا، يفهم الدرس الذي لم ننطقه: المبادئ جميلة في الكتب، لكنها قابلة للتفاوض في الحياة.
​وهنا يصبح السؤال مؤلمًا: لماذا قبلنا حتى ضاعت مبادئنا؟
ما الذي يجعلني أنافق إنسانًا أعرف أنه مخطئ؟ أخشى ماذا؟ خسارته؟ وما قيمة إنسان لا يبقى معي إلا إذا شاركته الكذب على نفسه؟ ما الذي يجعلني أبيع راحة ضميري لأشتري رضا شخصٍ سيرحل، أو يتغير، أو يخاصمني يومًا مهما بالغت في إرضائه؟ ولماذا أقدّم حق خالق العباد قربانًا لرضا عبدٍ من عباده؟
​نحن نراضي الناس أحيانًا بما يغضب الله، ثم لا نحصل حتى على رضا الناس.
نسكت عن الغيبة حتى لا يقال عنا معقدون، فنتحول إلى شهود زور على عرض غائب. نشارك في النميمة بصمتنا، ثم نتعجب حين تصل كلماتنا إلى غيرنا. نجامل الغادر حتى نحفظ علاقةً يعلم الطرفان أنها بلا أمان. نمدح ما لا نراه جميلًا، ونؤيد ما لا نراه صوابًا، ونضحك على كلام يؤذينا، ونقول: «لا بأس»، بينما كل شيء في داخلنا يقول: بل هناك بأس كبير.
​وما ثمن كل ذلك؟
الأشخاص الذين نافقناهم سيرحلون، لكن النفاق سيبقى في صحيفتنا وفي طباعنا. والذي خفنا أن نزعجه قد ينسى الموقف بعد ساعة، أما نحن فقد أضعنا فرصةً لنكون صادقين. والإنسان الذي شاركناه غيبة غيرنا قد يتركنا، لكن الكلمات خرجت منا ولن تعود. والظالم الذي بررنا له قد لا يتذكر أسماءنا، لكن تبريرنا صار لبنةً في جدار ظلمه.
كل إنسانٍ نجامله في باطله يرحل، ويترك لنا حصتنا من الباطل كاملة.
​وهذه هي الخسارة التي لا ننتبه إليها: نحن لا نخسر المبادئ دفعة واحدة، بل نستبدل كل مرة جزءًا منها بعلاقة مؤقتة. نتنازل اليوم عن الصراحة كي لا نخسر صديقًا، وغدًا عن العدل كي لا نغضب قريبًا، وبعد غد عن الأمانة كي نحافظ على مصلحة، ثم نستيقظ ذات يوم ونجد أننا احتفظنا بكل الأشخاص تقريبًا، ولم نحتفظ بأنفسنا.
​إن المجتمع الذي لا يعاتب مخطئه لا يرحمه، بل يتركه يتمادى حتى يصبح الرجوع أشق. والذي يرفض الكذب ليس عدوًا للكاذب، بل قد يكون آخر من يحاول إنقاذ ما بقي فيه من صدق. والصديق الذي يقول لك: «هذا لا يليق بك»، أوفى من عشرة يبررون لك حتى تصير أسوأ نسخة من نفسك.
​لماذا أصبح العتاب عداوة؟
لأننا لم نعد نفصل بين الإنسان وفعله. نظن أن رفض الفعل إهانة لصاحبه، وأن نقد السلوك رفض للإنسان كله. ولهذا يطلب المخطئ من محبيه أن يثبتوا محبتهم بقبول خطئه، فإن واجهوه اتهمهم بالخيانة، وإن نافقوه عدهم أوفياء. بينما المحبة الصادقة لا تقول لك إن الظلام نور كي تريحك، بل تمسك بيدك حتى تخرج منه.
​لسنا في حاجة إلى مجتمعٍ يطرد كل من أخطأ؛ فهذا مجتمع بلا رحمة. ولا إلى مجتمع يبتلع كل خطأ؛ فهذا مجتمع بلا مناعة. نحتاج إلى ميزان يحفظ للإنسان كرامته، وللحقيقة اسمها، وللمخطئ باب العودة، وللخطأ عاقبته.
​نحتاج إلى أن نقول للكاذب: أنت لست الكذبة، لكن كذبتك لن تكون مقبولة. وللغادر: تستطيع أن تصلح ما أفسدت، لكن الثقة التي كسرتها لا تعود بكلمة. وللمنافق: لا نكرهك، لكننا لن نساعدك على تغيير الوجوه. وللنمّام: لن يكون مجلسنا طريقك إلى أعراض الناس. ولأنفسنا قبل الجميع: لن نشتري سلامًا ظاهريًا بحربٍ داخل الضمير.
​فالسلام الذي يبنى على الكذب ليس سلامًا، بل هدنة بين انفجارين.
والمجاملات التي تتراكم فوق الخطأ لا تدفنه؛ إنها تحفظه تحت السطح حتى يتعفن المجتمع كله برائحته. قد يبدو المجلس هادئًا، لكن كل فرد فيه يخشى الآخر. وقد تبدو العلاقات كثيرة، لكن لا أحد يأتمن أحدًا. فالناس الذين تعودوا أن يجاملوا في حضورك ويذموك في غيابك لا يصنعون مجتمعًا متسامحًا، بل مجتمعًا فقد القدرة على الكلام بوجه واحد.
​وأي عيشٍ هذا الذي يحتاج فيه الإنسان إلى أن يحمل لكل مجلس لسانًا، ولكل مصلحة مبدأً، ولكل شخص وجهًا؟
لقد ظن بعضنا أن الذكاء هو أن يرضي الجميع، مع أن من يرضي الجميع لا بد أن يقول للمتناقضين كلامين متناقضين. وظننا أن الصراحة وقاحة، مع أن الوقاحة أن تبتسم في وجه إنسان ثم تنهش سيرته إذا استدار. وظننا أن حماية العلاقات تستوجب الصمت، مع أن العلاقات التي لا تحتمل كلمة حق ليست علاقات؛ إنها اتفاقات منفعة مؤجلة الانهيار.
​والأخطر من كل ذلك أن الخطأ حين يعيش طويلًا بيننا يكتسب شرعية العادة.
في البداية نستغربه، ثم نتحدث عنه، ثم نتعايش معه، ثم ندافع عن وجود صاحبه، ثم نغضب ممن يذكّرنا بأصله. وهكذا لا يصبح المنكر معروفًا لأن طبيعته تغيرت، بل لأن عيوننا تعبت من رؤيته. فالإنسان يستطيع أن يعتاد كل شيء، حتى ما كان قلبه يرتجف منه، وهذه القدرة على الاعتياد قد تكون رحمةً في المصائب، لكنها كارثة في الأخلاق.
​إن أول انتصار يحققه الخطأ ليس أن يرتكبه صاحبه، بل أن يُقنع الآخرين بأنه شأن شخصي لا يعنيهم.
لكن الأخلاق لا تعرف الحدود التي اخترعها خوفنا. كذبة اليوم بين شخصين قد تهدم غدًا ثقة عائلة. وغدرٌ صمتنا عليه قد يصبح أسلوبًا في مؤسسة. ونفاقٌ كافأناه قد يتحول إلى الطريق الأسرع للنجاح. كل خطأ فردي تُرفع عنه الكلفة الأخلاقية يبحث عن مقلدين، لأن البشر يتعلمون مما ينجح أمامهم.
​لهذا لا يكفي أن تقول: «أنا لا أكذب». اسأل: هل أعطيت الكاذب مكانًا يساوي مكان الصادق؟ اسأل: هل صافحت الظالم وكأن المظلوم لم يكن؟ فالحياد بين الحق والباطل ليس دائمًا فضيلة؛ وقد يتحول أحيانًا إلى خدمة مجانية للباطل، لأن صاحب الحق يحتاج من يشهد، أما صاحب الباطل فيكفيه أن يصمت الجميع.
​لقد بالغنا في تقديس فكرة «دع الخلق للخالق» حتى استخدمها بعضنا ذريعةً للتخلي عن كل مسؤولية أخلاقية. نعم، حساب السرائر عند الله، وليس لنا أن نفتش القلوب أو نصب أنفسنا قضاةً على العباد، لكن الأفعال الظاهرة لها آثار، والمجتمع الذي لا يضع لها حدودًا يدفع ثمنها. نحن لا نحاكم ما في الصدور، بل نقرر ما الذي نقبله في دوائرنا وما الذي نرفضه، ومن نأتمن، ومن نأخذ منه الحذر، وما السلوك الذي نكافئه بحضورنا وثقتنا.
​إن الرفض الأخلاقي لا يعني التشهير، ولا الانتقام، ولا الظلم المضاد. قد يكون موقفًا هادئًا وواضحًا: لا أشارك في هذا، لا أبرر ذلك، لا أضع ثقتي حيث انكسرت، لا أضحك على غيبة، لا أنقل نميمة، لا أمدح ما أعلم فساده، ولا أبيع كلمة الحق حتى أحفظ ودًّا لا يستحق.
​هذه المواقف الصغيرة هي جهاز المناعة الأخلاقي للمجتمع.
فكما لا يُهزم الجسد بوجود جرثومة واحدة، وإنما بضعف مناعته أمامها، لا تنهار المجتمعات بوجود كاذب أو منافق أو غادر، بل حين تفقد قدرتها على تسمية الكذب كذبًا، والنفاق نفاقًا، والغدر غدرًا. وحين يصبح الصادق هو المحرج، والناصح هو الملام، والمخطئ هو من تُراعى مشاعره أولًا، نعرف أن الموازين لم تعد مختلة فقط، بل انقلبت.
​وربما لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الخطب عن الأخلاق، بقدر حاجتنا إلى استعادة كلفتها العملية. أن يعرف الإنسان أن الكذب يهدم الثقة فعلًا، وأن الغدر يفقده مكانه في القلوب، وأن النميمة تغلق أمامه أبواب الأسرار، وأن النفاق قد يمنحه مجالس كثيرة لكنه لن يمنحه وجهًا يحترمه حين يخلو إلى نفسه.
​لا نعاقب الناس لأننا كاملون، بل نحمي القيم لأننا جميعًا ناقصون.
فالسكوت عن خطأ غيرنا اليوم قد يكون إذنًا ضمنيًا لخطئنا غدًا. وكل حدّ أخلاقي نحطمه من أجل شخص، سنقف يومًا وحدنا أمام ما دخل منه. والأبواب التي نفتحها للباطل لا تسأل بعد ذلك عمن فتحها؛ يدخل منها الجميع.
​لهذا، قبل أن تقول: «لم يؤذني»، اسأل: أي إنسان سأصبح وأنا أرى أذاه لغيري ثم أستمر في منحه ثقتي ومودتي كأن شيئًا لم يحدث؟
وققبل أن تخشى خسارة شخص بسبب كلمة حق، اسأل: ماذا سأخسر من نفسي إذا كذبت كي أبقيه؟
وقبل أن تبرر سكوتك بالحكمة، اسأل: هل هي حكمة فعلًا، أم خوفٌ لبس ثوب الوقار؟
​فالأشخاص سيرحلون، مهما طال بقاؤهم. من نافقناه سيرحل، ومن خفنا غضبه سيرحل، ومن أخفينا الحق كي نرضيه سيرحل. لكن ما صدر منا من كذب، وما شاركنا فيه من غيبة، وما نقلناه من نميمة، وما بررناه من غدر، وما ابتلعناه من حق، سيبقى جزءًا من سيرتنا نحن، لا من سيرته هو.
​وفي النهاية، لن يكون السؤال: كم علاقةً حافظت عليها؟
بل: كم مرةً حافظت على نفسك وأنت داخل تلك العلاقات؟
ولن يكون السؤال: كم إنسانًا أرضيت؟
بل: كم حقًا أضعته وأنت تطارد رضا من لا يملك لك نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله؟
​إن المبادئ لا تضيع لأننا جهلناها، بل لأننا عرفناها ثم رأينا أن تطبيقها مكلف. فاخترنا الإنسان العابر على الحق الباقي، والابتسامة المؤقتة على راحة الضمير، وصمت المجالس على شهادة الحقيقة.
​حتى جاء يومٌ وقفنا فيه أمام مجتمعٍ ممتلئ بالأقنعة، وسألنا بدهشة: من أين جاء كل هذا النفاق؟
والإجابة موجعة:
جاء من كل مرةٍ رأينا فيها بطحةً على رأس صاحبها، ثم تظاهرنا جميعًا بأن رأسه سليم.
ولك مني عزيزي القاريء .
لا أحد يستحق أن تنافقه تكسبه لتخسر ربك ونفسك ..
فالاناس راحلون ونفسك ستقف أمام الله وحدك وبدون كل تلك الاناس.
تذكر..
الناس راحلون ورب الناس باقي فلا تخسره .
مع تحياتي
نعمه حسن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *