“معلومات الوزراء” يصدر تقريراً معلوماتياً حول اللوجستيات الخضراء محليًا وعالميًا
كتب سمير احمد القط
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، عددًا جديدًا من سلسلة “تقارير معلوماتية” تحت عنوان “اللوجستيات الخضراء: نحو نموذج مستدام لسلاسل الإمداد”، موضحًا أن الخدمات اللوجستية تعد عنصرًا أساسيًا في التجارة الدولية، إذ تلعب دورًا محوريا في حركة السلع والخدمات عبر أنشطة النقل والتخزين وإدارة المخزون والتغليف، وعلى الرغم من أهميتها الاقتصادية، فإنها تساهم بشكل كبير في التلوث البيئي من خلال الانبعاثات الناجمة عن النقل والاستهلاك المرتفع للطاقة في المستودعات والنفايات الناتجة عن مواد التعبئة والتغليف، ومع تصاعد الاتجاهات العالمية لمواجهة تغير المناخ، باتت الحكومات والشركات تركز على الاستدامة، والتوجه نحو اعتماد ممارسات “اللوجستيات الخضراء” التي تهدف إلى تقليل الانبعاثات، وترشيد الطاقة والحد من النفايات عبر حلول مبتكرة مثل استخدام المركبات الكهربائية والهجينة، وتطبيق تقنيات موفرة للطاقة في التخزين، واعتماد مواد تغليف مستدامة، بالإضافة إلى تحسين أنظمة إدارة المخزون، وإعادة التدوير، مع الحفاظ على الكفاءة التشغيلية وتقليل الأثر البيئي في ذات الوقت.
واستعرض تقرير المركز اللوجستيات الخضراء في مصر، مشيراً إلى اتجاه الدولة المصرية لتبني نماذج لوجستية أكثر استدامة كجزء من رؤيتها للتنمية الشاملة التي تضع الاستدامة البيئية ضمن أولوياتها الأساسية، فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا في تطوير البنية التحتية للنقل بما يشمل تحديث المواني، وإنشاء شبكات طرق حديثة، إلى جانب الاهتمام بالتحول نحو الوقود النظيف والطاقة المتجددة.
ويُعد قطاع اللوجستيات في مصر من الركائز الأساسية التي تدعم حركة التجارة، وتعزز كفاءة سلاسل الإمداد، بما يسهم في تحقيق النمو الاقتصادي، كما يمثل هذا القطاع محركًا خفيًا للتنمية المستدامة من خلال تطوير البنية التحتية وتيسير تدفق السلع والخدمات محليًا ودوليًا، ويمكن توضيح انعكاسات قطاع اللوجستيات على الاقتصاد المصري وذلك على النحو التالي:
1- دعم النمو الاقتصادي: وفقًا لقاعدة البيانات القومية لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، بلغ متوسط نسبة مساهمة قطاع النقل والتخزين (اللوجستيات) في الناتج المحلي الإجمالي 5% خلال الفترة (2015/ 2016 – 2024/ 2025)، إذ شهدت قيمة الناتج المحلي الإجمالي لقطاع النقل والتخزين نموًا متواصلًا خلال العقد الماضي، إن كانت هناك سنوات من التذبذب في معدل النمو، ولكنه ظل يحقق نموا إيجابيا، وتجدر الإشارة إلى أنه كلما كانت منظومة النقل والتخزين أكثر كفاءة، انخفضت التكاليف وزادت القدرة التنافسية للاقتصاد المصري.
2- تعزيز المركز اللوجستي لمصر عالميًا: يمر 12% من حجم التجارة البحرية العالمية عبر قناة السويس التي تعد أحد أهم الممرات الملاحية في العالم وذلك باعتبارها أقصر طريق يربط بين الشرق والغرب دون الحاجة إلى المرور عبر أهوسة، كما تتمتع القناة بقدرة استيعابية عالية لمختلف أنواع وأحجام السفن حيث تستوعب نحو 62.2% من ناقلات البترول، و92.6% سفن البضائع الصب، و100% من سفن الحاويات وحاملات السيارات وسفن البضائع العامة، بالإضافة إلى كامل الأسطول العالمي من الأنواع الأخرى، وهو ما يعزز مكانة مصر كمركز لوجستي عالمي، وذلك وفقًا لتقديرات هيئة قناة السويس حتى 2025 مايو، بجانب القناة تمتلك مصر عددًا من المواني البحرية التجارية التي تعتبر أهم عنصر في صناعة النقل البحري حيث يتم نقل ما يقرب من 90% من تجارة مصر الخارجية عبر المواني البحرية، حيث تمتلك مصر 19 ميناءً بحريًا على البحرين الأحمر والمتوسط، تشمل 14 ميناءً قائمًا يجري تطويرها، إلى جانب خمس مواني جديدة قيد الإنشاء وهي (أبو قير، والمكس، وجرجوب، وبرئيس، وطابا)، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للنقل البحري والخدمات اللوجستية.
وقد حققت مصر العديد من الإنجازات في التصنيفات العالمية للمواني البحرية التجارية ومنها، حصول “ميناء شرق بورسعيد” على المركز الثالث عالميًا والأول إقليميًا في مؤشر أداء موانئ الحاويات (CPPI) لعام 2024 الصادر عن البنك الدولي، والمركز 53 ضمن أفضل 100 ميناء حاويات لعام 2025 وفق تصنيف (Lioyds List)، وجاء “ميناء دمياط” ضمن أفضل 20 محطة حاويات على مستوى العالم وفق تصنيف مؤشر (2024 CPPI)، وحصل على المركز العاشر عالميًا من حيث التطوير والتحسن السنوي، وحصد “ميناء الإسكندرية” المركز 90 عالميًا ضمن قائمة أفضل 100 ميناء العام 2025، وحقق “ميناء السخنة” رقمًا قياسيًا في موسوعة “جينيس” كأعمق ميناء محفور صناعيًا بعمق 19 مترًا، كما ينافس للحصول على رقم جديد كأطول أرصفة بإجمالي 18 كم، وينافس “ميناء أبو قير” على تسجيل رقم قياسي في موسوعة “جينيس” باعتباره أعمق ميناء في البحر المتوسط بعمق 22 مترًا، وعليه، لم تُعد المواني البحرية مجرد نقاط عبور للبضائع، بل تتبنى الدولة المصرية رؤية متكاملة تستهدف تحويل المواني إلى مراكز لوجستية ذكية تربط سلاسل الإمداد العالمية ببعضها البعض.
3- خلق فرص عمل: يُعد قطاع الخدمات اللوجستية من أبرز القطاعات القادرة على توليد فرص عمل متنوعة في مصر. نظرا لتشابكه مع عدد كبير من الأنشطة الاقتصادية مثل الصناعة والتجارة والزراعة. فالتوسع في شبكات النقل والمواني والمناطق اللوجستية، يخلق طلبا متزايدًا على العمالة في مجالات النقل والتخزين، وإدارة سلاسل الإمداد وخدمات الشحن والتوزيع، إذ يستوعب قطاع النقل والتخزين ما نسبته 8.7% (ما يقدر بنحو 2.9 مليون مشتغل) من إجمالي المشتغلين في مصر البالغ عددهم 33.3 مليون مشتغل في الربع الأول من عام 2026، كما تسهم المشروعات الكبرى المرتبطة بهذا القطاع في جذب الاستثمارات الصناعية والخدمية، وهو ما ينعكس على زيادة فرص التوظيف سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد بلغ إجمالي فرص العمل التي أضافها قطاع النقل والتخزين في مصر 17.1 ألف فرصة عمل خلال عامي 2023 و 2024، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
4- تحقيق التنمية الاقتصادية والجغرافية: تمثل الخدمات اللوجستية ركيزة أساسية لدعم مسار التنمية الاقتصادية والجغرافية في مصر، لما تؤديه من دور محوري في ربط مراكز الإنتاج بمناطق الاستهلاك، وتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد، وخفض تكاليف النقل والتخزين، كما يسهم تطوير البنية التحتية اللوجستية -بما يشمل المواني وشبكات الطرق، والسكك الحديدية- في تحسين مناخ الاستثمار، ودعم تحقيق تنمية إقليمية متوازنة من خلال ربط المناطق النائية بالمراكز الحضرية والصناعية، بما يحد من الفجوات التنموية ويعزز فرص العمل، ويتجلى هذا الدور بوضوح في أهمية قناة السويس كمحور استراتيجي للتجارة العالمية، لا سيما مع التوسع في مشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تستهدف جذب الاستثمارات الصناعية والخدمية، وتعزيز موقع مصر كمركز لوجستي إقليمي، كما تدعم اللوجستيات نمو القطاعات الإنتاجية المختلفة -الصناعة والزراعة والتجارة- من خلال تحسين كفاءة التوزيع وتقليل الفاقد. وفي هذا الإطار، تتجه الدولة إلى إنشاء سبعة ممرات لوجستية متكاملة تهدف إلى ربط مناطق الإنتاج الصناعي الزراعي التعديني بالمواني البحرية، وكذلك الربط بين مواني البحر الأحمر والبحر المتوسط، عبر شبكة متطورة من السكك الحديدية (بما في ذلك القطار الكهربائي السريع) والطرق الرئيسة، مرورًا بالمواني الجافة والمناطق اللوجستية على امتداد هذه الممرات، بما يعزز التكامل الجغرافي، ويرفع كفاءة حركة التجارة الداخلية والخارجية.
5- تعزيز موارد النقد الأجنبي محليًا: بلغت قيمة متحصلات النقد الأجنبي من خدمات النقل 9.4 مليارات دولار عام 2024/2025، ويُعد قطاع اللوجستيات في مصر من الأدوات الحيوية لتعزيز موارد النقد الأجنبي.
6- جذب الاستثمارات الخاصة: لا شك في إن وجود بنية تحتية قوية في النقل والشحن والتخزين يشجع المستثمرين على ضخ استثماراتهم، فعلى سبيل المثال تمثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجًا واضحًا لربط النقل بالخدمات اللوجستية والصناعة، وفي إطار الاهتمام بتطوير منظومة النقل وفقًا لأحدث النظم التكنولوجية العالمية، تقوم الدولة بانتهاج سياسات -مثل وثيقة سياسة ملكية الدولة- تهدف إلى تطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية عن طريق السماح بتعزيز مشاركة القطاع الخاص في تطوير منظومة النقل من خلال الاستثمار أو المشاركة في مشروعات النقل بشكل عام.
وأشار تقرير مركز المعلومات إلى الملامح الرئيسة لهيكل سوق اللوجستيات في مصر، حيث بلغ حجم سوق الشحن والخدمات اللوجستية في مصر 10.93 مليارات دولار في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى نحو 14.66 مليار دولار بحلول عام 2031، بمعدل نمو سنوي مركب يقدر بنحو 5.04% خلال الفترة (2026-2031)، وفقًا لتقديرات شركة أبحاث السوق (Mordor Intelligence)، مما يعكس قدرة السوق على التعافي من الصدمات قصيرة الأجل، مع الحفاظ على زخم الطلب طويل الأجل المدفوع بقطاعات التصنيع، والمشروعات القومية، والتوسع في التجارة الإلكترونية، كما تشمل الاستثمارات الموجهة لتطوير البنية التحتية للنقل التوسع في شبكات الطرق السريعة، وتعزيز الربط بين خطوط السكك الحديدية، وتحديث محطات الشحن الجوي والمناطق الحرة، الأمر الذي يسهم في تقليص زمن النقل الداخلي ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، كما تواصل الشركات اللوجستية متعددة الجنسيات توسيع نطاق عملياتها داخل السوق المصري مدفوعة بتحسن بيئة الأعمال وتنامي الفرص المرتبطة بالمشروعات الحكومية الكبرى، وفي سياق التحول الرقمي تسهم منصات مثل منصة نافذة (النافذة الواحدة) إلى جانب أنظمة إدارة المستودعات (WMS) في تسريع إجراءات التخليص الجمركي، وتقليل زمن بقاء البضائع، وتحسين كفاءة التشغيل، وهو ما يعزز تنافسية القطاع، ويخفض التكاليف اللوجستية.
ويعكس هيكل السوق هيمنة قطاع التصنيع الذي استحوذ على نحو 31.22% من إجمالي سوق اللوجستيات في عام 2025 مدفوعا باستمرار تدفقات استيراد المواد الخام وتصدير المنتجات النهائية، كما يسهم التوسع في المناطق الاقتصادية -خاصة المناطق المعفاة جمركيًا- في زيادة الطلب على خدمات النقل والتخزين بما يعزز فرص الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية المرتبطة بالمناطق الصناعية، في المقابل يشهد قطاعا الجملة والتجزئة نموًا متسارعًا بمعدل نمو سنوي مركب متوقع يبلغ 5.32% خلال الفترة (2026-2031)، مدفوعًا بالتوسع في تجارة التجزئة المنظمة والطفرة في التجارة الإلكترونية، وقد أدى ذلك إلى زيادة الطلب على الخدمات اللوجستية المتقدمة، مثل اللوجستيات العكسية، وأتمتة مراكز التوزيع، وإدارة المخزون الذكي، ما يفتح المجال أمام استثمارات جديدة وخلق فرص عمل نوعية، أما قطاع الإنشاءات، فيظل أحد المحركات الرئيسة للطلب اللوجستي في ظل استمرار تنفيذ المشروعات القومية الكبرى، بما في ذلك مشروعات الإسكان، وشبكات النقل الحضري والمشروعات السياحية. وفي القطاع الزراعي، ورغم الطابع الموسمي للصادرات، فإن التوسع في سلاسل التبريد ومراكز التخزين المبرد بالمواني يمثل فرصة استراتيجية لتقليل الفاقد وتحقيق استقرار أكبر في الإيرادات.
“معلومات الوزراء” يصدر تقريراً معلوماتياً حول اللوجستيات الخضراء محليًا وعالميًا
ويستحوذ نشاط نقل البضائع على الحصة الأكبر من سوق اللوجستيات بنسبة 59.73% في عام 2025، مدفوعًا بالأحجام الكبيرة المنقولة لصالح قطاعات التصنيع والبناء والزراعة، إضافة إلى تطور أساطيل النقل وتكاملها مع المواني والمناطق الصناعية، في المقابل تعد خدمات البريد السريع (CEP) الأسرع نموًا، بمعدل نمو سنوي مركب سيبلغ نحو 5.77% خلال الفترة (2026-2031)، مدفوعًة بالتوسع في التجارة الإلكترونية ونمو الطلب على خدمات التوصيل السريع، وقد أدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على الخدمات ذات القيمة المضافة مثل إدارة المرتجعات وحلول التخزين الذكي، وعلى الصعيد التكنولوجي، تتجه الشركات إلى تحديث أساطيلها باستخدام أنظمة التتبع الرقمية وأجهزة التسجيل الإلكتروني، بما يسهم في تحسين كفاءة التشغيل وتقليل الرحلات الفارغة بنسبة تصل إلى 12%، كما يعتمد قطاع الشحن السريع على حلول رقمية متقدمة – مثل تطبيقات إثبات التسليم وأنظمة تخطيط الموارد (ERP) لتحقيق شفافية أكبر وتعزيز ثقة العملاء.
“معلومات الوزراء” يصدر تقريراً معلوماتياً حول اللوجستيات الخضراء محليًا وعالميًا
كما استعرض التقرير أبرز جهود الدولة المصرية للتحول نحو اللوجستيات الخضراء والتي تمثلت في، (1- تطوير وسائل النقل النظيفة والمستدام، 2- التحول إلى المواني الخضراء، 3- إنشاء مناطق لوجستية متكاملة ومستدامة، 4- دعم التحول الرقمي في الخدمات اللوجستية، 5- المستودعات المبردة بالطاقة الشمسية، 6- تطوير النقل متعدد الوسائط، 7- تطوير المواني الذكية والخضراء).
وتناول التقرير أيضاً واقع السوق العالمي للخدمات اللوجستية الخضراء، حيث بلغت قيمة إيرادات السوق العالمي للخدمات اللوجستية الخضراء 2.4 تريليون دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن ترتفع لتصل إلى 4.5 تريليونات دولار في عام 2030 بنسبة ارتفاع 87.5%، مما يعكس التوجه العالمي القوي نحو تبني الممارسات الخضراء في قطاع الخدمات اللوجستية، وبلغت نسبة مساهمة أنشطة التحول الرقمي والأخضر في سوق الخدمات اللوجستية الخضراء 45.8% في عام 2024، بإيرادات قدرها 1.1 تريليون دولار، يليه نشاط تصنيع واعتماد المركبات وأنظمة الدفع الخضراء بنسبة 37.5%.
وأشار إلى تصدر أمريكا الشمالية الأسواق العالمية من حيث متوسط معدل النمو في سوق اللوجستيات الخضراء خلال الفترة (2024-2030) بنسبة 8.4%، تليها أوروبا بمعدل نمو 8%، في حين تعد منطقتا الشرق الأوسط وإفريقيا الأقل نموًا بمعدل 5.6% مما يعكس الفجوة الحالية بين مناطق العالم في التوسع بتبتي ممارسات اللوجستيات الخضراء.
“معلومات الوزراء” يصدر تقريراً معلوماتياً حول اللوجستيات الخضراء محليًا وعالميًا


