يظل ملف الأمن المائي أحد أخطر الملفات الاستراتيجية التي تواجه الدولة المصرية، ليس فقط لأنه يرتبط بحق المصريين في الحياة والتنمية، بل لأنه يمس الأمن القومي بصورة مباشرة. ومع استمرار أزمة سد النهضة، وتزايد الضغوط على الموارد المائية، تتجدد التساؤلات حول مدى كفاءة إدارة هذا الملف، وما إذا كانت الإجراءات المتخذة حتى الآن تواكب حجم التحديات.
خلال السنوات الأخيرة، أصبح ملف المياه أكثر تعقيدًا مع استمرار غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم ملء وتشغيل سد النهضة، وهو ما أبقى حالة عدم اليقين قائمة بشأن إدارة تدفقات نهر النيل في فترات الجفاف والجفاف الممتد. وفي الوقت نفسه، تتزايد الضغوط الداخلية نتيجة النمو السكاني واتساع الاحتياجات الزراعية والصناعية، بينما تبقى الموارد المائية محدودة.
ورغم أن وزارة الموارد المائية والري تؤكد باستمرار تنفيذ مشروعات كبرى لتطوير منظومة الري، وإعادة استخدام المياه، والتوسع في التحول إلى نظم الري الحديثة، فإن هذه الجهود لم تمنع استمرار الجدل حول قدرة الإدارة الحالية على تحقيق اختراق حقيقي في أكثر الملفات حساسية، وعلى رأسها ملف سد النهضة.
ويرى عدد من الخبراء، وفق ما ورد في تقارير وتحليلات صحفية، أن استمرار الأزمة دون اتفاق قانوني ملزم يفرض تحديات متزايدة على الأمن المائي المصري، بينما يشير آخرون إلى أن أي تراجع في إيرادات النيل خلال سنوات انخفاض الأمطار قد يضاعف الضغوط على منظومة إدارة المياه، وهو ما يستدعي استعدادًا دائمًا وخططًا واضحة للتعامل مع السيناريوهات المختلفة.
وفي الداخل، لا تقتصر التساؤلات على إدارة مياه النيل وحدها، بل تمتد إلى ملف المياه الجوفية، الذي يمثل شريان حياة لعدد من المناطق الزراعية والصحراوية، مثل سيوة والوادي الجديد. وتبرز بين الحين والآخر شكاوى من مزارعين ومستثمرين بشأن تنظيم استخدام الآبار، وإجراءات التراخيص، وعدالة توزيع الموارد المائية، وهي قضايا تستحق مزيدًا من الشفافية والرقابة لضمان إدارة عادلة ومستدامة لهذا المورد الحيوي.
كما أن انخفاض نصيب الفرد من المياه إلى ما دون حد الفقر المائي العالمي فى عهد الوزير هانى سويلم ، يمثل مؤشرًا يستدعي مراجعة مستمرة للسياسات، ليس فقط من منظور مواجهة الأزمة الراهنة، وإنما أيضًا من زاوية التخطيط طويل الأجل وتعزيز كفاءة استخدام كل مورد مائي متاح ، و عدم اهمال الابار و المياة الجوفية و تركها مرتع للمحسوبية و الوساطة ، ارضى تروي و ارض تموت مثل سيوه و الوادى الجديد و مطروح و غيرها و غيرها ممن يعتمدون على مياة الأبار
و ايضا” لا يمكن تجاهل أن ملف المياه تحكمه عوامل دولية وإقليمية معقدة، وأن نتائج التفاوض مع إثيوبيا لا تعتمد على وزارة الموارد المائية وحدها، بل تشارك فيها مؤسسات الدولة المختلفة. ومع ذلك، فإن طبيعة التحدي تفرض تقييمًا دوريًا للأداء، وقياسًا واضحًا للنتائج، وإتاحة المعلومات للرأي العام بما يعزز الثقة ويتيح نقاشًا موضوعيًا حول أفضل السبل لحماية الأمن المائي.
إن الأمن المائي المصري لم يعد ملفًا فنيًا يخص وزارة بعينها، بل أصبح قضية أمن قومي تتطلب أعلى درجات التنسيق والشفافية والكفاءة. ومن هنا، فإن طرح الأسئلة حول فعالية السياسات، ومراجعة الأداء، والاستفادة من آراء الخبراء، لا ينبغي النظر إليه باعتباره تشكيكًا، بل باعتباره جزءًا من مسؤولية النقاش العام حول واحدة من أهم قضايا مستقبل مصر.

